منتدى العلويون للعلوم والمعرفة والثقافة

منتدى العلويون للعلوم والمعرفة والثقافة

المنتدى العلوي للمعرفة و العلوم و الفائدة و الحوار و التعارف


    الأسباب... بين الاطراد والانعكاس

    شاطر

    Basem76

    عدد المساهمات : 4
    تاريخ التسجيل : 19/01/2011

    الأسباب... بين الاطراد والانعكاس

    مُساهمة  Basem76 في 1/2/2011, 1:05 pm

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    يسعدني أن أهدي موقعكم هذا الكتاب الثمين
    الأسباب بين الاطراد والانعكاس
    تأليف الأستاذ: هشام أحمد صقر

    الإهداء
    أهدي هذا الكتابَ إلى جميع الباحثينَ عن دقائقِ معرفةِ اللهِ في ملكوتِهِ عند هذه الفرقة العلوية المتمسكة بحقائق الإيمان وأصول الإسلام، ليعلموا أنها فرقةٌ قَصَدت علومَ اللاَّهوتِ بالتَّشـريع والتَّحقيقِ، من ثرى الناسوت لِتَطير إلى سماءِ قُدسِ الملكوتِ، وبجناحَي التَّنزيلِ والتَّأويلِ.
    هشام...



    تقديم
    منذُ عُصُورٍ.. ظَهَرَ الجاحدونَ المنكرونَ، الجاهلونَ الحاقدونَ، الرَّافضونَ الحَقَّ بجميعِ قيَمِهِ السَّاميةِ ومبادِئِهِ الرَّفيعَةِ، المُصِـرُّونَ على العيشِ في بوتقتهم المُحاطَةِ بأسوارِ الحقدِ الأصمِّ والكراهِيَّةِ العمياءِ، الذين ناهضوا الحَقَّ مُذْ بَزَغَتْ شَمسُ فَجرِهِ التي حرقَتْ أنظارَهَم الإبليسيَّةَ، فَشَـرَعُوا ينظمونَ مَحَافِلَهُمُ الخاصَّةَ الشَّيطانِيَّةَ، وَيَنشـرونَ معتقداتِهِم الفاسدَةَ في أرجاءِ جُدرانِهَا المتصدِّعَةِ، وَبَاتُوا يَتَلَبَّسونَ بأثواب باليَةٍ دَعَوها بأزياءِ الإصلاحِ والتَّجديدِ.
    هؤلاءِ حـاربوا الفرقةَ العلويَّةَ على مَرِّ العُصُورِ. لم يَدَعوا حَيِّزًا من حياةِ المجتمعِ العلويِّ الطَّاهرِ دونَ أنْ يحاولوا تَلويثَهُ بِطِلائِهِم المُزَيَّف.
    لم تَكشِفْ نِدَاءاتُهُم واتِّهاماتُهُم سوى ذلكَ الغِلِّ الذي يضمَرُ في قُلُوبِهِم وهُم يَرمونَ هذهِ الفرقةَ العلويَّةَ الطَّاهرةَ المنبَعِ بأردى ما تَعلَّموه، ولم تُردي أفكارُهُم سوى قَلوبِهم وعقولِهم التي مَزَّقوها بعقائِدِهم المعطِّلَةِ والمُشَبِّهَةِ، فكانوا بما نَشروهُ ولفَّقُوهُ من تُهَمٍ وطَعْنٍ لأهلِ هذهِ الفرقةِ العلويَّةِ من الذينَ ذكرَهم وَحَذَّرَ منهم تعالى بقولهِ: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ- النور19).
    اتَّـــهمـــوا أهـلَ الفرقةِ العلويَّةِ ســـــابقًا بأنَّهم مَن يَنســـــبُونَ إلى الرَّســــولِ وأهلِ العترةِ الطَّاهرينَ ما لا يُنْسَبُ....
    كيفَ ذلكَ ونحن فرقةٌ في كُتُبِنا نَروي عن خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وسيِّدِ المرسلينَ، صاحبِ العِصْمَةِ الذَّاتيَّةِ المُجَرَّدَةِ والقُدرَةِ الرَّبانِيَّةِ المطلقَةِ، وإنْ اكتفيتُ لإثباتِ ذلكَ بالإشارةِ والتَّلميحِ عن اعتقادِنا حولَ هذا الموضوعِ بما قاله تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى- النجم2-4)، وقوله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ، وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ- التكوير19-22)، وكذلكَ الأمرُ بالنِّســـــبةِ للأئمَّــــــةِ الطَّاهرينَ (ع)، فَنَحنُ لا نُوقِعُ عليهم ما لا يَجوزُ من الغَلَطِ والسَّهوِ والنِّسيانِ والسُّمِّ والقتلِ وكلِّ أنواعِ العجزِ أو ما يَطعَنُ بِعِصْمَتِهِمْ كما سنورِدُ في الأجزاءِ القادمة.

    أيها الإخوة:
    اتَّهموا أهلَ الفرقةِ العلويَّةِ بأنَّهم مِمَّنْ يَكتُمُونَ الحَقيقَةَ و....
    فإذا كانَ ربُّ العِزَّةِ قد وَصَفَ المؤمنَ بِكِتْمَانِ دينِهِ في قولِهِ تعالى: (وقال رجلٌ مؤمنٌ من آلِ فرعونَ يكتم إيمانَهُ- غافر28)، وإذا كانَ أميرُ المؤمنينَ علينا من ذكرِهِ السَّلام قد قالَ لأحَدِ خواصِّهِ: (إنَّ للهِ رجالاً أودَعَهُم أسرارًا خفيَّةً ومَنَعَهم من إشاعَتِها)، وإذا كان الإمامُ الصَّادقُ (ع) يقولُ: (إنَّ الحُكماءَ وَضَعُوا الطَّرائقَ حِصْنًا وَجِدَارًا على الحقائقِ)، فكيفَ يَطلبُ هؤلاءِ معرفةَ الحقائِقِ وهُم للطَّرائِقِ مُنكرون؟ كيفَ يَطلبونَ معرفةَ الأسرارِ وَهُم عن سَبيلها مُعرِضُونَ وَغَافِلُون؟
    هذهِ الأسرارُ لا يمكنُ أنْ تَحلَّ يَومًا في بَيتٍ غيرِ مُستَحِقٍّ لها، لذلكَ أوصانا السَّيدُ المسيحُ (ع) قائلاً: (لا تُعطُوا الحــــكمَةَ لِــــغَيرِ أهـــلِها فَـتَـــظْلِمُوها، ولا تَمْنَعوها عن أهلِها فَتَظْلِمُوهم)، فالسَّيدُ المسيحُ قد أوصانا بحفظِ الحقيقَةِ في قوله: (لاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ لِئَلَّا تَدُوسَــــهَا بِأَرْجُلِهَا وَتَلْتَفِتَ فَتُمَزِّقَكُمْ)، فإلى الجاهلِ الذي يُطالِبُنا بِطَرحِ دُرَرِنا أمامَهُ نقولُ:
    إنَّ هــذهِ الفرقةَ العلويَّةَ بإذنِ اللهِ مَلكَتِ الحكمَةَ الإلهيَّةَ والدُّرَرَ الثَّمينَةَ والأسرارَ العاليةَ، فَبِعَونِ اللهِ لن تُؤَدَّى الأمانةُ إلاَّ لأصحابِها استنادًا لقولِهِ تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا- النساء58)، فَقَبْلَ أنْ نَمْنَعَ الأسرارَ عن التُّجَّارِ كان ربُّ الحكمةِ حافظًا لها. كيفَ لا وهو القائلُ: (فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ- يوسف64)؟ وهذا ما سوف نتحدَّثُ عنه في الأجزاءِ الأخرى تحتَ عنوانِ (التقيَّة العلويَّة القرآنيَّة).

    أيها الإخوة:
    إنَّ الذينَ استَوَتْ بهم الحاجةُ سابقًا في عَهْدِ رسولِ اللهِ (ص) لإعلانِ الإسلامِ بعدمَا كُشِفَ طُغيانُهُم، دَخَلوا الإسلامَ في الماضي نِفَاقًا للتَّخريبِ، إذْ قال تعالى فيهم: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْــــلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ- الحجرات14)، وهم نفسهم الذين يَدخلونَ اليومَ الدِّينَ العلويَّ للتَّخريبِ أيضًا.
    فهؤلاء كما حاربوا رسولَ اللهِ (ص) وأحاديثَهُ في الماضي، يحاربونَ اليومَ الفرقةَ العلويَّةَ، غاضِّينَ أبصارَهُم وأسماعَهُم وأفئِدَتَهم عمَّا نَزَلَ بحقِّ أبناءِ هذه الفرقةِ في القُرآنِ الكريم بأنَّهُم خيرُ البريَّةِ، حيث قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ- البينة7).
    وَمَهْما كانَ غَرَضُهُم من إلقاءِ وَابِلِ تُهَمِهِم على دينِ الفرقةِ العلويَّةِ، فإنَّنا سَنُغْرِقُ بِقُوَّةِ أدِلَّةِ هذا الدِّينِ القَيِّمِ حُجَرَهُم وَبيوتَهُم بِطُوفانٍ من الحكمِ الإلهيِّ والفَضْلِ الرَّبَّانِيِّ، لقوله تعالى: (لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ- المائدة33).
    هؤلاءِ المرتدُّونَ المُفْسِدونَ الذين كانوا يَبُثُّونَ إثْمَهُم وَعُدْوَانَهم بأسماءٍ مُزَيَّفَةٍ وَشَخصيَّاتٍ مُنْتَحَلَةٍ لهم تاريخٌ لا تَشفُّ صَفَحاتُهُ إلاَّ عن جَرَائِمِهم التي أخَذَتْ على مَـــرِّ العُصورِ أشــــــكالاً وَمَظاهِرَ مُتَعَدِّدَة، من أبي هـريرةَ وأبي موسى الأشعري..... إلى ابنِ تيميَّةَ والغزاليِّ والنجاشيِّ*، وَيَتْبَعُهُمُ اليومَ في هذا السُّـــــــــــــلوكِ الرَّديءِ والعَمَلِ الدَّنيءِ ذلكَ المُفسِدُ (عبد الكريم جامع) الذي أستغربُ منه كيفَ يفصِّلُ الأفكارَ على مَقَاسِ أوهامِهِ الضَّيِّقةِ وافتراءَاتِهِ الرَّخيصَةِ في مؤلَّفاتِهِ الوضيعَةِ، طاعِنًا وَمُتَهَجِّمًا على الدِّينِ العلويِّ، وَمُجَادلاً في اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ، وهذه بعض افتراءاتِهِ المُلَفَّقَةِ واتِّهاماتِهِ الرَّخيصَةِ في كتابيهِ (تهافت الطرف) و(التكيف المصاحب):
    1. تُنسَبُ الفرقةُ العلويَّةُ للدِّياناتِ الوثنيَّةِ، والدِّينُ العلويُّ يعودُ إلى عبادةِ الحيواناتِ باسمِ التَّشخيصِ كالأساطيرِ الهنديَّةِ والإغريقيَّةِ والكنعانيَّةِ وأساطيرِ الشَّـرقِ الأوسطِ وغيرها، وكلُّ الطَّريقةِ العلويَّةِ أخطاءٌ، سواءَ كانت هذهِ الأخطاءُ لغويَّةً أم فقهيَّةً، وإنَّ اعتمادَ فكرةِ التشـــــخيصِ عندَ الفرقةِ العلويَّةِ لم يُنْزِلِ اللهُ تعالى بها من سُلطانٍ.
    2. الدِّينُ العلويُّ وتعاليمُ علمِ الحقيقةِ فيهِ هو تلبيسٌ بتلبيسٍ، وَقَذارةٌ بِقَذَارةٍ، وَمَسخرةٌ بِمَسْخرةٍ، وإنَّ هذا التَّلبيسَ عندَ العلويِّينَ هو قانونٌ للتَّستُّرِ على المعاصي وتعطيلِ الشَّـرعِ الحنيفِ.
    ***
    * ابن تيميَّة 661هـ- 728هـ. الغزالي 450هـ- 505هـ. أحمد بن علي النجاشي 372هـ- 450هـ.

    وبعدَ هذهِ الافتراءاتِ الزَّائفَةِ والأقوالِ الباطلَةِ لهذا المُرتَدِّ المُفسِدِ الذي صَارَ بِرُسُوخِ الرَّذيلةِ النُّطقيَّةِ عندَهُ شيطاناً مَريدًا، فهُو المرتَدُّ الخارجُ عن الدِّينَ، الذي يَنتَحِلُ شخصيةً دُونِيَّةً لم يَعْرِفِ التَّاريخُ عنها سوى الأحاديثِ المُزيَّفةِ والأخبارِ القبيحَةِ.
    لا غَرَابَةَ في ذلكَ كُلِّهِ. وكيفَ الاستغرابُ؟ أَفَمَنْ يَخونُ ربَّ العالمينَ ألا يَخونُ الأنبياءَ والأئمَّةَ المَعصومينَ والصَّالحينَ من قادَةِ البلادِ من العلماءِ الثِّقاةِ الميامين؟

    أقول أيها الإخوة:
    إنَّ أهلَ الحقِّ اليومَ قادمونَ، لأنَّ رســولَ الحقِّ (ص) قال: (السَّاكتُ عن الحَقِّ شيطانٌ أخرس)، فلنْ نَسكُتَ عن الذين أفسَدُوا، ولن نَسْمَحَ لهم بالتَّمادي في طُغيانِهِم على هذهِ الفرقَةِ العلويَّةِ.
    هل يَظُنُّ عبد الكريم جامع نفسَهُ قادرًا على مواجــهَةِ الحَقِّ المــتعالي عندنا؟ ألم يقرأ القُرآنَ أمْ تغافَلَ عن قولِهِ تعالى: (أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ- البلد5)؟
    إنَّ كلَّ مَن سَيَأتي اليومَ وَيَهْذُرُ بِحَقِّنا بكلماتٍ سَاذَجَةٍ واتَّهاماتٍ مَارِقَةٍ عَديمَةِ الفائدةِ سَنُذَكِّرهُ بقولِهِ تعالى: (فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ- التوبة12).
    وكما ائتُمِنَّا بالدِّفاعِ عن حَقِّ رسولِ اللهِ (ص) وحقِّ أهلِ بيتِهِ (ع)، كَفَرضٍ علينا عملاً بقولِ رسولِ اللهِ (ص): (مَن رأى منكُم مُنْكرًا فَلْيُغَيِّرهُ بِيَدِهِ، فإنْ لم يَستطعِ فَبلِسانِه، وإن لمْ يستطِع فبقلبِهِ)، فنحنُ بحمدِ اللهِ نستطيعُ مواجَهَةَ أباطيلِهم بِيَدِنا ولسـانِنَا وقلبنَا، وَمَا زال واجِبنا يَتَطَلَّبُ منَّا ومن أهلِ الحقِّ الجهادَ بأثمَنِ ما نَملكُ في سبيلِ القضاءِ على بُذُورِ كُلِّ مشـركٍ فاسدٍ، كعبد الكريم جامع وأمثاله، انطلاقًا من قولِهِ تعالى: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ- البقرة190)، وامتثالاً لقول أمير المؤمنين علينا من ذكرِهِ السَّلام: (ردُّوا الحجرَ من حيثُ جاء).
    فأقلُّ ما نَفْعَلهُ اليومَ نحنُ القادرونَ على رَدْعِهِم أنْ نَستَبْسِلَ بكلِّ ما لدينا لإيقافِ مَوجَاتِهِم المعاديَةِ وَمَقَالاتِهِم الملعونَةِ في ذَمِّ الدِّينِ العلويِّ.
    ومن هنا كانَ تَصَدِّينا لهم بالبحثِ والدِّراسةِ وفقَ منهجٍ علميٍّ يعتمدُ النَّقلَ الصَّحيحَ والدَّليلَ السَّليمَ.
    وسنبدأ كَرَدٍّ على الافتراءاتِ بالحديثِ عن الأسبابِ، مع لَفْتِ النَّظرِ إلى بعض عقائدِنا الدِّينيَّةِ بالبراهينِ القطعيَّةِ والشَّواهدِ اليقينيَّةِ، فالسَّائرُ معنا في هذا الجزء الثاني من (سلسلةِ الحقيقةِ العلويَّةِ) سوفَ يجدُ المسيرةَ تحاولُ النَّفاذَ إلى أقطارِ السَّمواتِ والأرضِ، والخروجَ من حدودِ الزَّمانِ والمكانِ، حيثُ فلسفةُ الأسبابِ لا تُسعِفُها العبارةُ، وحيثُ نجدُ الكلمةَ تقتصـرُ عن المعاني.
    هذا هو الشأنُ دائمًا في بحرِ المعارفِ الإلهيَّةِ لهذهِ الفرقةِ العلويَّةِ.
     



    الأسباب
    وســـــيـلــة إلى الغــــــايــة
     فليرتقوا في الأسباب– ص10 
    هناكَ منذُ القِدَمِ حتَّى اليومِ مِن قَاصري الفهمِ الغائبينَ عن العلمِ، مَن لا يتَتبَّعونَ إلاَّ مَضيقَ المحسوساتِ، بعيدًا عن عالمِ المعارفِ العقليَّةِ وفُسَحِ الأنوارِ الإلهيَّةِ، لا يَفهمونَ الفرقَ أبدًا بين المحسوسِ والمعقولِ، وَيَخلطُون بينهما خلطًا كبيرًا، فوقعوا بالحلولِ، إذ وقَفوا عندَ علمِ ظواهرِ الألفاظِ والأمورِ.
    الذينَ قال تعالى فيهم: (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ- الرعد33)، هم أصحابُ عِلومِ ظواهِرِ القولِ المُزَخرَفـَةِ عِندَ أَهلِهَا، لأنَّهم مُغتَرُّون بظواهرِ الشَّــريعةِ من غيرِ تَــــدَبُّرٍ في أسرارِ الطَّريقَـةِ وبواطنِ الحقيقَـــةِ، إذْ يَـــــثقُلُ عـليهِم حمْلُها والعملُ بِها، وَمَا ذلكَ إلاَّ لأنَّ الآمالَ التي مَنْشَـــؤُها ظواهرُ الأعمالِ قد غَرَّتْهُم، فَرَكِبُوا جَهْلَ الجُهَّالِ وَفِتنَةَ الدُّجَّالِ، وكانوا ممَّن قال تعالى فيهم: (أُوْلَئِـــــكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ- البقرة16).

    أيُّها الإخوة:
    سنتحدَّثُ في هذا الفصلِ عن مبدأ التَّفسيرِ على أساسِ التَّعيينِ، وقد وَرَدَ هذا الأساسُ لغويًّا كمعنًى لـ(شَخَّصَ)، واصطلاحًا هو علمُ الأسبابِ.
    فَمِنْ أَجَلِّ علومِ الدِّينِ وأشرَفِها علمُ الأسبابِ القرآنيَّةِ، فَعِلمُ الأسبابِ يُبَيِّنُ ما في الكتابِ من المجملاتِ والمُطلَقَاتِ والمُقَيَّداتِ، لأنَّهُ لا يَقِفُ عندَ بَيَانِ أحكامِ الشَّرعِ فقط، بل يَصِلُ إلى حقائقِ أحكامِهِ، إذْ إنَّ الأسبابَ فيها تَدَرُّجُ المفاهيمِ إلى الأبطَنِ فالأبطَنِ، وقضيَّةُ علومِ الأسبابِ منها الرُّوحانيَّةُ الخفيَّةُ، ومنها الجسمانيَّةُ الجَلِيَّةُ، لذلك هي قضيَّةٌ مثبتَةٌ يجبُ بلوَرَةُ معالِمِها، فهي قضيَّةٌ في حقيقَتِها إسلاميَّةٌ وليست مذهبيَّةً، ولعلَّ دراسةَ قضيَّةِ الأسبابِ، وبحثَها بحثًا علميًّا استدلاليًّا، والتَّعرُّفَ بها، ومناقشةَ الشُّبهاتِ المثارةِ حولَهَا هي من أهمِّ المباحثِ وأكثرِها حاجةً إلى الإيضاحِ والتَّعريفِ بهذا العلمِ.

    أيُّها الإخوة:
    من المعلومِ أنَّ المؤمنينَ درجاتٌ، والسَّالكينَ مقاماتٌ، والسُّلوكَ إلى اللهِ له منازلُ ومقاماتٌ ومراحلُ عرفانيَّةٌ متعدِّدةٌ، فالارتقاءُ في الأسبابِ هو التَّدرُّجُ من العبارةِ إلى الإشارةِ إلى اللطائفِ إلى الحقائقِ، وهو ما ورد عن الإمام الصادق (ع): (إنَّ كتابَ اللهِ على أربعةِ أشياءٍ: العبارةُ والإشارةُ واللَّطائفُ والحقائقُ: فالعبارةُ للعوامِ والإشارةُ للخواصِ واللطائفُ للأولياءِ والحقائقُ للأنبياءِ)، ولذلكَ كانَ النَّاكِرُ للارتقاءِ بالأسبابِ واقفًا حائرًا عندَ مقامِ الجحيمِ، وله العذابُ الأليمُ، والرَّافضُ للأسبابِ ليسَ أقلَّ ممَّنْ نصبَ الأصنامَ لعبادَةِ الأنامِ.
    هذا هو مبدأُ علمِ الأسبابِ الذي دَلَّ عليهِ القُرآنُ الكريمُ في الكثيرِ من الآياتِ، ومنها قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ- يونس9-10)، وقوله تعالى: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ- التوبة112)، والذي كَبُرَ على المتكبِّرينَ المفســــــدين، الذينَ أذكِّرُهُم بقوله تعالى: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ- النحل118).

    أيها الإخوة:
    التَّدرُّجُ السَّببيُّ هو المُسَمَّى قرآنيًّا بِتَعَدُّدِ وجوهِ التَّأويلِ الواردِ في قولِهِ تعالى: (وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّـــــاسِ لاَ يَعْلَمُونَ- يوسف21)، وفي قولِ الرَّسول (ص): (القرآنُ ذَلولٌ ذُو وُجوهٍ فاحمِلُوهُ على أحسَنِ الوجوهِ)، فالقرآنُ ذو وُجُوهٍ بحسبِ التَّنزيلِ، وَذُو بُطُونٍ بحسبِ التَّأويلِ، فالآياتُ القرآنيَّةُ لها ظَوَاهرُ وَبَواطِنُ إلى سبعةِ أبطنٍ، إلى سبعين... إلى ما شاءَ اللهُ، ولها تَنزيلٌ وَتَأويلٌ إلى سبعةٍ إلى سبعينَ إلى ما شاءَ الله، ولذا قال رسول الله (ص): (كلامُ اللهِ ذو وجوهٍ، وَلَهُ ظَهرٌ وبطنٌ، ولكلِّ بطنٍ سبعةُ أبطنٍ أو سبعينَ بَطْنًا).

    أيها الإخوة:
    المتفكِّــــرُ في كتابِ اللهِ وبلاغةِ الآياتِ يجبُ أن يعلمَ أنَّ الأسبابَ الحسيَّةَ مَعَـــــابِرُ إِلَى المعاني العَقلِيَّةِ، فالأَسمَاءُ تَقَعُ عَلَى مُسَمَّيَاتٍ محدَّدة، ويُقصَـــدُ بها مَعَانٍ معيَّنة.
    وكمثالٍ في قصَّةِ آدمَ: عندما نذكُرُ كلمَتَي آدمَ وقابيلَ يُؤَوَّلُ آدمُ بالعقلِ، وقابيلُ بالنَّفسِ الأمَّارةِ بالسُّوءِ. وأمثالُ ذلكَ بتطبيقِ العالمِ الملكوتيِّ وإجزائِهِ على العالمِ النَّاســــوتيِّ، ليسَ هو خلافَ الشَّـــــرعِ، ولا يكونُ تأويلاً بالرَّأي، بل هو التَّدبُّرُ القرآنيُّ والتَّفكُّرُ النَّبويُّ المأمورُ بِهِ عندَ الرَّاسخينَ في العلمِ، لأنَّ كتابَ اللهِ يُصَدِّقُ بعضُهُ بعضًا ولا يُناقِضُ بعضُهُ بعضًا. ألم يقل أمير المؤمنين علينا من ذكرِهِ السَّلام:
    أتزعمُ أنَّكَ جرمٌ صغير

    وفيكَ انطوى العالم الأكبرُ

    فالألفاظُ في كتابِ اللهِ هي عناوينُ ومظاهرُ لأسماءٍ حقيقيَّةٍ لا يســـــتطيعُ أن يوضحَها إلاَّ مَن قالَ الله تعالى فيهم: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ- آل عمران7)، حيث أكد رسول الله (ص) أنَّ لِكُلِّ آيَةٍ في القرآنِ مفهومٌ عامٌّ وتأويلٌ خاصٌّ، وأنَّ الإمام علي هو الذي يَعلَمُ التَّأويلَ وَفَصْلَ الخطابِ بقوله (ص): (أنا أُقاتِلُ على التَّنزيلِ، وعليٌّ يُقاتِلُ على التَّأويلِ)، كذلك قال الإمام الصادق (ع): (نحنُ الرَّاسخونَ في العلمِ، ونحنُ نَعلَمُ تأويلَهُ).
    وألــــفـاظُ الـــقرآنِ لا تُحمَلُ على معنًى واحدٍ، ولا على وجهٍ واحدٍ، فهو مُرَادٌ بجميعِ وجوهِهِ، وَمُنْزَلٌ بجميعِ معانيهِ، وكثيرًا ما تختلفُ المعاني والوجوهُ اختلافًا تامًّا بحسبِ حقائقِهِ وَمَجازاتِهِ وَتَعريضاتِهِ وكناياتِهِ، وعلى هذا فلا صِحَّةَ لبعضِ التَّفسيراتِ لو أُخِذَتْ على مَظَاهِرِهَا بدليلِ بعضِ ما وَرَدَ في القرآنِ الكريمِ ممَّا تأويلُهُ على غيرِ تَنزيلِهِ:
    1. حكاية الله عزَّ وجلَّ عن إبراهيم (ع) حيثُ قالَ: (إنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي- الصافات99) أي مُتَوَجِّهٌ إليه في عبادَتِي.
    2. قال تعالى: (وأنزلنا الحديدَ فيه بأسٌ شديدٌ- الحديد25) فإنزالُهُ إيَّاهُ خلقُهُ.
    3. قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ- الزخرف81) أي الجاحدينَ، والتَّأويلُ هنا مُضَادٌّ لِظَاهِرِ التَّنزيلِ.
    4. قال تعالى: (قاتَلَهم اللهُ أنَّى يُؤفَكون- التوبة30) أي لَعَنَهُمُ اللهُ، فَسَمَّى اللَّعنةَ قتالاً، كذلك قوله تعالى: (قُتِلَ الإنسانُ ما أكفَرَهُ- عبس17) أي لُعِنَ الإنسان.
    5. قال تعالى لنبيه إبراهيم (ع): (لا ينالُ عهديَ الظالمين- البقرة124) أي المشركين، لأنَّهُ سمَّى الظلمَ شركًا بقوله تعالى: (إنَّ الشركَ لَظلمٌ عظيم- لقمان13).
    6. قال تعالى: (سَلامٌ على إِلْ يَاسِين- الصافات130)، فاللهُ تعالى سمَّى به النبيَّ  حيث قال: (يس، والقرآن الحكيم، إنَّكَ لَمِنَ المرسلين- يس1-3) لعلمِهِ بأنهم يُسقِطونَ قوله تعالى: (سلامٌ على آلِ محمد) كما أسقَطوا غيرَهُ، فَلَطالما حَذَفوا كلماتٍ مثلَ: (آل محمد) و(بني هاشم) و(الأوصياء) و(علي) من آياتٍ كثيرة، ولهذا بحثٌ آخر قادم إن شاءَ الله.


    أيها الإخوة:
    إنَّ الفرقةَ العلويَّةَ تَحكُمُ بما حَكَمَ بهِ القرآنُ والرَّسولُ والأئمَّةُ الطَّاهرون عليهم السلام، فَمَن أرادَ أنْ يفتحَ بابًا غيرَ هذا البابِ المَنصوبِ، أو يَنْتَهِجَ سبيلاً خِلافَ هذا السَّبيلِ السَّويِّ في أحكامِ طَريقتنا, وقانونِ مَذْهَبنا, فَلْيَحْذَرْ من التَّقَحُّمِ في المهالكِ لأنَّ طريقتنا المقدَّسَةَ لها أحكامٌ خاصَّةٌ انفرَدَتْ بها اعتقادًا وَرَأيًا وَحُكمًا.
    فَلَدينا الكثيرُ من التَّساؤلاتِ التي لها أجوبةٌ عندنا، والتي تُسَبِّبُ للكثيرِ من أبناءِ الفِرَقِ الأخرى اضطرابًا شَديدًا لِعَدَمِ وجودِ التَّفسيرِ الدَّقيقِ لها عندهم، ومنها:
    1. هل تَسَاءَلوا عن كيفيَّةِ خَلْقِ آدمَ وحواءَ، وكيفيَّةِ خَلْقِ عيسى (ع) بلا أب.
    2. هل تساءَلوا ما هو معنى الحديثِ الشَّريفِ المرويِّ عن أبي ذر الغفاري في قولِهِ لرسول الله (ص): أيُّ كتابٍ أَنْزَلَهُ اللهُ على آدم؟ فقال (ص): (كتابُ المعجم)؟
    3. هل تفكَّروا في معنى قول أمير المؤمنين علينا من ذكرِهِ السَّلام: (أنا الألفُ الملفوفُ، أنا سِرُّ الحروفِ)؟ أو لماذا قال أميرُ المؤمنينَ علينا من ذكرِهِ السَّلام: (أنا النُّقطةُ التي تحتَ الباءِ)، ولم يقل أنا النُّقطةُ فوقَ النُّونِ أو....؟ هل يظنُّ عاقلٌ أنَّ النُّقطةَ المرقومةَ على الورقِ هي المقصودةُ؟
    4. هل تَأَمَّلوا ما هي أسرارُ الباءِ التي قالَ عنها أميرُ المؤمنين علينا من ذكرِهِ السَّلام: (لو ثُنِيَتْ لي وِسَادَةٌ لَتَكلَّمْتُ بأسرارِ الباءِ من غِيَابِ شمسِها إلى بُزُوغِ فَجرِها)؟
    5. هل سَــــعَوا باحثينَ عن الأســـــماءِ التي عَــلَّمـها اللهُ لآدمَ (ع) في قولهِ تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا- البقرة31)؟ أو عن المعاني المقصودة من حروف التَّهجي: (ألم، كهيعص، حم عسق، ن،...) التي نَقَلَ آصفُ بها عرشَ بلقيس؟
    6. هل استطاعوا تعليلَ قَسَمِ اللهِ بالمأكولاتِ كالتينِ والزيتونِ؟ وبالعادياتِ وهي الخيلُ؟ وبالمرسلاتِ وهي الرِّياحُ؟ وبالليلِ والنَّهارِ؟ وغيرها الكثيرُ التي لا تَصلُحُ لو أُخِذَتْ على ظَاهِرِها أن تكونَ مَحَلاًّ للقَسَمِ عندَ عامَّةِ النَّاس؟ أليسَ القَسَمُ بالشـَّيءِ يعني تَعظِيمَهُ؟ فلو فُهِمَ الأمرُ على ظاهرِهِ لكانَ قَسَمُ اللهِ عَبَثًا.. حاشا لله...
    7. هل فَكُّوا الرَّمزَ المقصودَ من المُغرَيَاتِ الحسِّيَّةِ كالحورِ العين والولدان...؟ هل أهلُ السَّماءِ يأكلونَ ويشربونَ؟ أم هم ملائكةٌ مقرَّبون؟
    8. هل اكتفوا بقراءَةِ قوله تعالى عن مريم العذراء (ع): (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا- الأنبياء91)؟ تَصوَّرُوا مَدلولَها لو أُخِذَ حَرفيًّا؟ هل يَقبَلُ المخلوقُ فضلاً عن الخالقِ ذلك؟ حاشا لله..


    أيها الإخوة:
    إنَّ إجاباتِ الفرقةِ العلويَّةِ عن هذهِ الآياتِ والأقوالِ هو بِأَخذِها مَحمولةً على غيرِ ظاهرِها إلى معنى أبعَدَ وتأويلٍ أعمَقَ مع أحكامِ الدِّينِ والمنطقِ معًا. فهي التي تَلَقَّتْ من الإمامِ عليٍّ علينا من ذكرِهِ السَّلام آدابَ السُّلوكِ في الأسبابِ من التَّحديثاتِ إلى الإلهاماتِ فالمُشَاهداتِ فالمُعَايناتِ.
    لذلك كان الهلاكُ مِن قبل التَّدَيُّنِ وَالاعتِقَادِ بالأسبابِ فقط، والنجاةُ مِن قِبَلِ التَّدَيُّنِ وَالاعتِقَادِ بالأسرارِ واستعمالِ الأسبابِ كوسيلَةٍ لذلكَ، وعلى هذا أيها الإخوةُ سنضربُ بعض الأمثلةِ على ذلك من باب الترميز السَّببيِّ:
    1. قال النبيُّ الأعظمَ (ص): (بيتُ الظَّالمِ خرابٌ، ولو بعدَ حينٍ)، فهل عَنَى بالبيوتِ الحجارةَ والطِّينَ؟! أم أرادَ القلوبَ الخاليةَ من معرفةِ اللهِ عزَّ وجلَّ والعلمِ بهِ. وقوله تعالى: (وهي ظالمةٌ- الحج45): أي مشرِكَةٌ بالله العليِّ العظيمِ، لقوله تعالى: (إنَّ الشِّركَ لَظُلمٌ عَظِيمٌ- لقمان13).
    2. أرادَ اللهُ الرَّحمةَ في قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ- الحاقة19) وأراد العذاب في قوله: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ- الانشقاق10)؟ فما هو الكتابُ؟ وما هو اليمينُ؟
    3. هناكَ الكثيرُ من الألفاظِ التي دَلَّتْ على المكارمِ جاءَتْ للتعبيرِ عن عظمةِ محمدٍ وآله عليهم السلام، فمنها العدلُ والإحسانُ في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ- النحل90).
    4. مفهوم الصلاة في قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ- العنكبوت45)، حيث وَرَدَ عن الإمام الباقر (ع): (النَّهيُ كلامٌ، وَالفَحشاءُ وَالمُنكَرُ رجالٌ، ونحنُ ذكرُ اللهِ، ونحنُ أكبر) فَمَن هم الرجالُ الذينَ هم الفحشاء والمنكر؟ وإلامَ دلَّ ضمير (نحن) إلاَّ على الأئمَّةِ عليهم السلام؟
    5. معنى النِّعمةِ في قوله تعالى: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً- لقمان20)، حيث وَرَدَ في شَرحِ نهجِ البلاغة قول الإمام الباقِرِ (ع): (النِّعمَةُ الظَّاهِرَةُ النَّبِّيُّ وَما جاءَ بِهِ مِن مَعرِفَتِهِ وَتَوحيدِهِ، وَأمَّا الباطِنَةُ فَوِلايَتُنا أهلِ البَيتِ).


    أيها الإخوة:
    لقد كَبُرَ على المنكرين والمرتدِّينَ ما سَمِعوهُ من غرائبِ التَّرميزِ السَّببيِّ عند الفرقةِ العلويَّةِ.
    سبحانَ الله...! ألم يقرأ هؤلاءِ المنكرونَ قولَ الإمامِ الرِّضا (ع): (ليـــــــسَ في كـــتابِ اللهِ مأكـولٌ ولا مشروبٌ ولا ملبوسٌ ولا مركوبٌ إنَّما هي أمثلةٌ ظاهرةٌ، وكذلكَ كلامنا أهل البيت).
    إنَّ ما وَرَدَ من المحسوساتِ لها معانٍ في كتاب الله. فما هو معنى الشَّجرِ السَّاجدِ في قوله تعالى: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ- الرحمن6)؟ وما هو معنى الفاكهةِ والنَّخلِ والحَبِّ والرَّيحانِ في قوله: (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ، فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ، وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ- الرحمن10-12)؟ وما هو معنى الوردِ في قوله: (فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ- الرحمن37)؟ وما هو معنى العينان في قوله: (فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ- الرحمن66)؟ وما هو معنى الـــنَّخـــــلِ والرُّمَّانِ في قوله: (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ- الرحمن68)....؟
     


    الأسباب فلسفيًّا

    بعدَ أن تَحَدَّثنا عن الأسبابِ في القرآنِ والحديثِ الشَّـريفِ، سَنَتحدَّثُ عن الأسبابِ في المفهومِ الفلسفيِّ.
    فالسَّبَبُ هو كلُّ شيءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلى غيرِهِ، فلابدَّ للسَّبَبِ من أنْ يَنتُجَ عن سَببٍ قبلَهُ، فواجبٌ ضرورَةٌ أنْ يكونَ هنالكَ سببٌ فَعَّالٌ يُعتَبَرُ أوَّلَ المُكَوَّناتِ، أمينَ الأرضِ والسَّمواتِ.
    فالأسبابُ إذًا مَخلوقةٌ مُحدثَةٌ، لأنَّها مَسبوقَةٌ بغيرِها، والمَسبوقُ بغيرهِ يكونُ مُحدَثًا. لكن ما العلاقةُ بينَ السَّببِ الأوَّلِ وَمُسَبِّبِهِ؟

    أيها الإخوة:
    إنَّ مُسَبِّبَ الأسبابِ لا يقعُ على ذَاتِهِ موقعُ السَّبَبِيَّةِ في التَّكوينِ، وكون هذا الموقعِ مُحدَثٌ فَذَاتُ مُسَبِّبِ الأسبابِ لا يَعتَريها شيءٌ من الأعراضِ المُحْدَثَةِ والأصولِ المَخلوقَةِ، ولا توصَفُ بالاتِّصالِ والانفصالِ فليسَتْ هيَ من قِبَلِ الهيئاتِ والأشكالِ لقولِ الإمامِ الصَّادق (ع): (لا يُحَدُّ ولا يُحَسُّ ولا تُدرِكُهُ الأبصارُ ولا يحيطُ به شيءٌ ولا هو جسمٌ ولا صورةٌ ولا بذي تخطيطٍ ولا تحديد)، وذاتُ مسبِّبِ الأسبابِ بهذا المقالِ أجَلُّ من حاجَتِها لَسَبَبٍ، وإلاَّ أثبَتْنا أنَّها مُحدَثَةٌ، فهي أجَلُّ من أنْ تكونَ قبلَ تكوينِ الأسبابِ سببًا وإلاَّ احتاجَتْ إلى ضربٍ من ضروبِ الإحاطَةِ المكانيَّةِ أو الزَّمانِيَّةِ، وَلذلك وَجبَ أنْ يكونَ مُسَبِّبُ المكانِ والزَّمانِ بذاتِهِ منفردًا لا مثيلَ لهُ، وصَمَدًا لا ضدَّ له، منزَّهًا لا ندَّ له، مجرَّدًا عن شـركِ الظَّالمينَ وإلحادِ المُبطلينَ وَضَلالِ المشبِّهين، يقولُ الإمام علي عَلَينا من ذِكرِهِ السَّلام: (مُباينٌ لجميعِ ما أَحْدَثَ من الصِّفات).
    لهذا فإنَّ اختراعَ السَّبَبِ الفعَّالِ الأوَّلِ لا يُؤَثِّرُ نقصًا في ذاتِ المُســبِّبِ، لأنَّهُ خـروجٌ لا عن انفصالٍ، ولا يحيلُها إلى عَدَمٍ، لأنَّه اتِّصالٌ لا عن امتزاجٍ، فالسَّبَبُ الفَعَّالُ الأوَّلُ بَدَا من ذاتِ المُسَبِّبِ نفيًا للتَّثنِيَةِ وإثباتًا للأحديَّةِ، والعلاقَةُ بينهما للقُربِ لا للاختلاطِ والممازجَةِ لقولِهِ تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ- النساء171)، فالآيةُ نهيٌ عن المساواةِ بينَ السَّبَبِ الفَعَّالِ الأوَّلِ وَذَاتِ المُسَبِّبِ لأنَّ ذلكَ هُوَ الغُلُوُّ في السَّببِ الأوَّلِ لأنَّهُ لكلِّ سَبَبٍ مُسَبِّبٌ، وقد قالَ أميرُ المؤمنينَ علينا من ذكرِهِ السَّلام: (أشهَدُ أنَّ مَن سَاواكَ بِشَيءٍ من خَلْقِكَ فقد عَدَلَ بكَ، والعادِلُ بكَ كافرٌ)، فَمُسَبِّبُ الأسبابِ هو وجودُ الحيِّ القَيُّومِ في المَحلِّ المعلومِ سماءً وأرضًا على حَسَبِ العوائِدِ والرُّسومِ لا ماهيَّةَ لذاتِهِ بدليلِ أنَّهُ عندما سُئِلَ الإمام الصَّادق (ع): فَلَهُ ماهيَّةٌ؟ فأجابَ (ع): (لا، لأنَّ الماهيَّةَ من جهةِ الصِّفَةِ والإحاطةِ)، أمَّا السَّبَبُ الأوَّلُ هو الذي يخلُقُ الشَّـيءَ من الشـَّيءِ ولهُ ماهيَّةٌ ويقعُ تحتَ الصِّفَةِ والإحاطَةِ، وأمَّا مُسَبِّبُ الأسبابِ يَخلقُ الشّــَيءَ من لا شـــــيءٍ بدليلِ قولِ الإمامِ الصَّادق (ع): (مَن قالَ إنَّ اللهَ خَلَقَ شيئًا من شيءٍ فقد كَفَرَ)، فَمَن عَبَدَ مَوَاقعَ الأسبابِ فقد تَوَهَّمَ، والإمامُ عليّ علينا من ذكرِهِ السَّــلام يقول: (التَّوحيدُ ألاَّ تَتَوَهَّمَهُ).
    وإذا سألَ سَائلٌ: هل خَلا مُسَبِّبُ الأسبابِ من سَـــــــبَبٍ وَقتًا ما؟ يكونُ الجواب: أجل قبلَ خلقِ الأسبابِ، وقتٌ ليسَ بمدروكٍ ولا مَحسـوسٍ ولا مَعقولٍ ولا يَخطُرُ على الفكرِ، وهذا ما عَبَّرَ عنهُ رسولُ اللهِ (ص) عندما سُئِلَ: أينَ كانَ ربُّنا قبلَ أن يخلقَ الخلقَ؟ فقال (ص): (عَمَاء)، فَحَصَلَتْ تَسميَةُ مُسَبِّبِ الأسبابِ بعد إيجادِ السَّببِ الأوَّلِ لا قبلَهُ، بدليلِ قولِ الإمام الرِّضا (ع) عندما دخلَ رجلٌ عليه فقال له: يا ابنَ رسولِ اللهِ, ما الدَّليلُ على حُدوثِ العَالمِ؟ قال (ع): (أنّك لم تَكُنْ ثم كُنْتَ).
     


    وأخيرًا...
    كلمةٌ لابدَّ منها

    نحنُ اليومَ بحاجةٍ إلى إظهارِ عَظَمَةِ مَذْهَبِ هذهِ الفرقةِ العلويَّةِ، وإعلانِ مبادئِهِ، وَتبيانِ حَقَائقِهِ، وَدَفْعِ الافتراءاتِ والشُّبهاتِ عنه لِمَا فيه جلاءٌ للنَّواظرِ ونزهةٌ للخواطِرِ.
    ولذلكَ اندفَعْتُ إلى مَقَامِ الرَّدِّ لكي لا يَشتبِهَ الأمرُ على الجيلِ الآتي الواجب عليهِ أن يعرِفَ قانونَ مذهبِ هذهِ الفرقةِ العلويَّةِ ونهجَ طريقتها القائمِ على الوفاءِ بالعهودِ وحفظِ الحدودِ، للتَّزَوُّدِ من علومهِ العامرةِ بالدَّلالاتِ الرُّوحيَّةِ والرُّؤى النُّورانيَّةِ الشَّفافَةِ، والارتشافِ من نُميرِ حكمَةِ المعصومِ العاليةِ، والاستضاءَةِ من أنوارِ علمِهِ المتدفِّقِ وفكرِهِ النَّاضِجِ، لأنَّهُ هو الحكمةُ المرجوَّةُ في كل زمانٍ ومكانٍ, الحاملةُ لوامِعَ الأسرارِ ومطالعَ الأنوارِ، المستندةُ إلى الكتبِ السَّماويَّةِ، والسَّائرةُ على خُطَى الرُّسُلِ والأنبياءِ والمقتديةُ بالمعصومِ, فالمؤمنونَ العلويُّونَ على بصيرةٍ من أمرِهِم وسلامةٍ من دِينِهِم، فَهُمْ أصحابُ التَّنزيلِ والتَّأويلِ، لم يكتفوا بقشــــــورٍ من العـــلومِ الجــزئيَّةِ، ولم يقنعوا بصورةِ الأعمالِ فقط، لأنَّ الأعمال قالبيَّةٌ وقلبيَّةٌ، لا يطوفُونَ فقط على سواحلِ ظَوَاهرِ التَّنـزيلِ، بل يغوصُونَ إلى أعماقِ بواطنِ التَّأويلِ، حتى الارتقاءِ من جادَّةِ الشــريعةِ إلى الطريقةِ إلى مَتْنِ الحقيقةِ.
    فلســـــــــنا أصحابَ القشورِ التي لا يُنالُ بهِا إلاَّ القشورُ، بل نحنُ من أصحابِ اللُّبابِ الذي لا يَنَالُهُ إلاَّ أولو الألبابِ.
    أسألُ اللهَ أن يجعلَ ذلكَ الجهدَ في سبيلِ الحقِّ بضاعةً ورصيدَ خيرٍ وبركةٍ في ذلكَ اليومِ الذي: (لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ- الشعراء88-89).

    هشام أحمد صقر- سورية- اللاذقية
    1430 هـ - 2009 م
    ...

      الوقت/التاريخ الآن هو 20/11/2017, 3:21 pm