منتدى العلويون للعلوم والمعرفة والثقافة

منتدى العلويون للعلوم والمعرفة والثقافة

المنتدى العلوي للمعرفة و العلوم و الفائدة و الحوار و التعارف


    كتاب العقبة... دراسة شاملة في فكر الحجة الأعلى والقدوة الأجلى السيد محمد بن نصير النميري (( أبو شعيب ))

    شاطر

    Basem76

    عدد المساهمات : 4
    تاريخ التسجيل : 19/01/2011

    كتاب العقبة... دراسة شاملة في فكر الحجة الأعلى والقدوة الأجلى السيد محمد بن نصير النميري (( أبو شعيب ))

    مُساهمة  Basem76 في 1/2/2011, 1:33 pm

    [font= Simplified Arabic][size=24]السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    كتاب العقبة
    دراسة شاملة في فكر الحجة الأعلى والقدوة الأجلى
    السيد محمد بن نصير النميري (( أبو شعيب ))
    للأستاذ: هشام أحمد صقر

    القسم الأول من الكتاب...

    بسم الله الرحمن الرحيم
    يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ
    وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ
    وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ


    بدء
    عن أمير المؤمنين علينا من ذكره السلام:
    (لم يُخلِ اللهُ سبحانَهُ خلقَهُ من نبي مرسلٍ أو كتابٍ منزلٍ أو حجَّةٍ بالغةٍ).
    ***
    وعن الإمام الحسن العسكري (ع):
    ( محمدُ بن نُصـيرٍ حُجَّتُنا على المؤمنين.. وهو لؤلؤةٌ مَكنونةٌ في مَحَلِّ سلمان.. حجَّةٌ من حُجَجنا.. فَمَن شَكَّ فيهِ أو رَدَّ عليهِ قَولَهُ
    فَعَلَيهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين ).

    إهداء خاص
    إلى سيدي صاحبِ المقامِ الكريمِ..
    السَّبيلِ القويمِ والعِمَادِ العظيمِ.. اللؤلؤةِ المكنونةِ ومحلّ الأمانةِ..
    المخرِّبِ لقواعدِ المُعطِّلينَ والمبطلِ لِمُبتدعاتِ المُشبِّهين..
    حجَّةِ الإمامِ العسكريِّ من الصَّادقين.. النَّاصـرِ لمذهبِ الأئمَّةِ الطَّاهرين...
    بحرًا موَّاجًا وسـراجًا وهَّاجًا ونجمًا زاهرًا ورمزًا لميراثِ الأئمةِ سلامُ اللهِ عليهم أبدَ الآبدين ودهرَ الدَّاهرين...
    إليكَ يا صاحبَ أسمى الرُّتب.. المعلِّم الروحي والفيلسوف الإلهي..
    سـيدي أبو شعيب محمد بن نصـير النميري
    أرفعُ كتابي هذا......

    هشام...

    الإهداء
    إلى شبابنا المؤمن الذي يقف عند كلِّ ظاهرةٍ وقفةَ تأمُّلٍ وتفحُّصٍ وتفكيرٍ في آثارها، وليتبيَّنَ خيرَها من شـرها وحقَّها من باطلها.
    إلى شبابنا المثقَّفِ الطالبِ للعلمِ والمعرفةِ بواقعِ الحقائقِ بعيدًا عن كل محاولاتِ التَّزويرِ لتاريخِ أهلِ الحق التي أقلُّ ما تُوصَفُ به التَّعصُّبُ الواضحُ والتحيَّزُ الجارحُ.
    إلى شبابنا الذين كانوا وما زالوا متمسكين بالميزانِ المحمدي، مؤمنين بالنَّهجِ العلوي النُّصـيري.
    إلى شبابنا المتعطش إلى التَّعرُّفِ على العلوم النصـيرية وموازينها القرآنية في هذا الوقت الذي يحاول فيه أهل القياسِ والاجتهادِ إضاعةَ معالمِ سبلِ الحق وإخفاءَ آثارِ الصدقِ رغمَ وضوحِ الاعتقادِ الحق واشتهارِ راية الصدقِ.
    إليكم يا أصحاب القلوب الحية والضَّمائر النقيَّة، والأفكار السامية والعقول الراجحة، المعتنقينَ بالولايةِ الأحديَّةِ، والملتزمينَ بالشَّـرائعِ الحقيقيَّةِ، والمُتمسِّكينَ بالمعاينةِ النُّصـيريَّة.

    هشام...

    تـمهيد
    من الواجبِ أن نَصطفي من هذا التاريخِ المكتوبِ موقعَ الحالاتِ لتحقيقِ الهدفِ المنشودِ، وعلينا ذكر الأمثلةِ شـرحًا لخطورةِ المرحلةِ ورغبةً في وضعِ قانونٍ متوازنٍ يجيبُ عن نشأةِ العقيدةِ العلوية النصـيريةِ أولاً، وعواملِ استمرارها ثانيًا.
    في التاريخ الإسلامي كانت الأهميَّةُ في المشـروعيَّةِ الدينيَّةِ للمبادئِ الخصوصـيةِ والعقائدِ الروحانيَّةِ، وبين هاتين الظاهرتين حاول البعضُ الاجتهادَ مقابلَ النَّصِّ الإلهيِّ.
    ومعظمُ الحلقاتِ والأحداثِ تتداخلُ وتتشابكُ لتصنعَ ذلكَ النَّسـيجَ الذي نعبِّرُ عنه بالتاريخ، فما هي الاعتباراتُ المعنويَّةُ والماديَّةُ التي لها الدَّورُ الأساسـيُّ في تشكيلِ التَّاريخِ؟
    في حقيقةِ الأمرِ نجدُ أنَّ كتابةَ أحداثِ التاريخِ ليست بالأمر السَّهلِ، لأنَّها من أصعبِ الأمورِ التي تتطلَّبُ قدرًا عظيمًا من الأمانةِ والدِّقةِ والإدراكِ، وقدرًا من الحرصِ على استجلاءِ الحقائقِ، فالمشتغلونَ بالدراسات التاريخيةِ قُدِّرَ لهم أن يحملوا بهذه الأمانة فتوجَّبَ عليهم أن يتجرَّدوا من الهوى والمصالحِ الشَّخصـيةِ، وأن يحكِّموا عقولَهم ويعتمدوا الشَّواهدَ والقرائنَ لكي يصلوا إلى الحقيقةِ كاملةً.. فالحقيقةُ لا يجوزُ أن تكونَ ناقصةً...!
    ولكنَّ الكثيرَ من المؤرِّخينَ للعقائدِ النصيريَّةِ اعتمدوا على أهوائِهم وميولِهم ونَزعاتِهم، فالأغراضُ تختلفُ عندهم، وخاصَّةً في كتابةِ تراجمِ العظماء والعلماء. والسؤال: ما هي الأطوارُ والأحداثُ التاريخيَّةُ التي شَهِدَتْها نشأةُ الفرقةُ النصـيريةِ؟
    المُطالِعُ للأطوارِ والأحداثِ بدقَّةٍ يستلهِمُ الدُّروسَ بمعرفةِ مفاتيحِ التَّوفيقِ واستخراجِ العبرِ واتِّباعِ الأسبابِ، ومن هنا نجدُ أنَّ المهمَّةَ صعبةٌ، فليسَ كلُّ ما كُتِبَ في التاريخِ يعبِّرُ عن الحقيقةِ، إذ يحتاجُ التاريخُ الإسلاميُّ إلى مشاريعَ كثيرةٍ لتعيدَ له بريقَهُ. فإذا تعرَّضنا لموضوعِ التَّاريخِ الإسلاميِّ- تاريخِ العقيدةِ- لَرَأيناهُ لم يَخلُ من شوائبَ عدَّةٍ، لأنَّه لمْ يَكُنْ نقيًّا منذُ بدايةِ تسجيلِهِ، إذ لا يخلو من نزعةٍ معيَّنةٍ أو اتِّجاهٍ معيَّنٍ أو رغبةٍ في طمسِ حقيقةٍ من الحقائقٍ، فما هي النَّزعاتُ التي تحكَّمَتْ فيه؟ وهل كانت تلكَ النَّزعاتُ صادقةً على طولِ الخطِّ الزَّمنيِّ؟
    على الرَّغم من أنَّ أبناءَ هذهِ الفرقةِ العلويةِ هم الذين حَمَلَتْهُمُ سَفينةُ النَّجاةِ لقوله تعالى: (فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ)، وأنَّهم كانوا من الذين قال تعالى فيهم: (وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ)، وقال: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)، فلا يَخفى على مَن له صِلةٌ بالتاريخِ الحقيقيِّ أنَّها تعرَّضَتْ منذُ بُزُوغِ فَجرِ البشـريَّةِ لِهَجَماتٍ حاسدةٍ شـرسَةٍ من قِبَلِ أعدائِها.
    فقوى الحَسَدِ لم تجد بُدًّا من الاختباءِ في زوايا الخفاءِ تتحيَّنُ الفرصَ السَّانحةً والظـروفَ الملائمةَ للانقضاض على هذا البنيان النُّصيري الذي بَقِيَ شامخًا وعاليًا مع مَرِّ العصورِ.
    فأغلبُ من كتبوا عن العلويَّةِ النُّصـيريَّةِ حَادُوا عن الحقِّ حين اكتفَوا بكتبِ الخصومِ من أهل التَّجريحِ، ونقلوا عنهم دونَ تحقيقٍ ولا نظـر.
    ويوجدُ اليوم المئاتُ من الكتبِ المهاجِمَةِ للنُّصـيريَّةِ التي صَالَت وجالَت وتطاولَت واستطالَت في ميادينِ الاتِّهامِ ومضاميرِ التَّقسـيم، وعرضَتْ صورةً سـيئةً عن عقائدِنا بطـرحِها العقائدَ العلويَّةَ النُّصـيريَّةَ كما يريدونَ بزعمِهم لا كما هي بحقيقتِها....!
    ولعلَّ من أكبرِ المشكلاتِ التي واجهَتْها الفرقةُ العلويَّةُ منذ غابرِ القرونِ إلى هذا اليومِ أنَّهم مُعَرَّضونَ دائمًا لمواجهةِ خُصُومِهِم من طـرازِ أنصافِ المتعلِّمينَ، وأحيانًا من أرباعِ المُتَفقِّهين، وأحيانًا من جَهَلَةِ العِيَارِ الثَّقيلِ من المجتهدين.
    فقد كان مجتمعُ العلويينَ المسلمينَ النصـيريينَ مُستَهدفًا، وتعرَّضَ لأقسـى أنواعِ التَّشنيعِ، ولا تزالُ اليومَ النُّفوسُ المريضةُ- التي لا يَردَعُها دينٌ ولا يُثنِيها خُلُقٌ- تَنبُشُ من بعضِ الماضـي المُزَيَّفِ افتراءاتٍ، وَتُرَدِّدُ ما يَخلقُهُ أعداءُ هذا المجتمعِ من اتِّهاماتٍ، فيكادُ لا يمضـي يومٌ إلا وَيَطلعُ علينا من زوايا الجهلِ وَنَبشِ الدَّفائنِ وَتَهييجِ الضَّغائنِ أشخاصٌ يَنتقدونَ طـريقَتنا المقدَّسَةَ بِــمُـــرِّ الانتقادِ وَسـيءِ القولِ للتَّفريقِ بين أبناءِ هذهِ الفرقةِ العلويةِ النصيريةِ، من دونِ أن يَسلكوا طـريقةَ أهلِ العلمِ أو يتأدَّبوا بآدابِ المناظـرةِ.
    هذا التاريخُ الأسود المكتوبُ الذي حاولت الأيادي الأثيمةُ فيه أن تمتدَّ إلى تاريخ النصـيريةِ، وُجِدَ فيه الكثيرُ من الصفحاتِ السَّوداء القائلةِ بأنَّ النصيريةَ مدرسةٌ متفرِّعةٌ من المذاهبِ الاجتهاديَّةِ الأخرى، والذي يختزنُ في طـياتِهِ أكثرَ الفتنَ فَتكًا، لأنَّهُ كُتِبَ من أصحابِ الأقلامِ المسعورةِ والمأجورةِ والمأمورةِ، دون أن يكون المُرادُ عندهم خدمةَ دينِ الحقِّ ولا مصلحةَ رسالةِ الصِّدقِ...! فأيُّ منطقٍ يسمحُ لتلكَ الأقلامِ المأجورةِ التي لا همَّ لها إلا نبشَ الماضـي المتعفِّنِ أن تفتري علينا؟
    وما هذا التاريخُ المكتوبُ الذي كتبَهُ كُتَّابٌ سابقونَ، ومعاصـرونَ معارضونَ للحقِّ العلوي النصيري من الذين لا زالوا يغرقونَ في التاريخِ الذَّميم؟ وكيفَ يُعتمَدُ هذا التاريخُ المكتوبُ على أقوالِ المستشـرقينِ...؟
    لقد كان اللهُ سبحانه لهؤلاء بالمرصاد، ففضحَ أكاذيبَهم وأرجعَ كيدَهم إلى نِحرِهم بما كتبوا من خرافاتٍ وأباطـيلَ تدلُّ على سوءِ سـريرَتهم ونهجِهم، لأنَّ التاريخَ الحقيقيَّ يؤكِّدُ أنَّ الفرقةَ النصـيريةَ لها مبادئُ تمثِّلُ الالتزامَ بهدي الأنبياءِ والأئمةِ والرسلِ وأهل العصمةِ (ع)، إذ تمسَّكتْ بالحقِّ العلويِّ الذي هم عليه، واستضاءَت بضياءِ وجودِهِ، فحمَلَت مشعلَ وصايةِ الحقِّ على ممرِّ العصورِ المُظْلِمةِ المُدْلَهِمَّةِ الموبوءَةِ بالتياراتِ القياسيَّةِ والآراءِ الاجتهاديةِ، فكانت نبراسًا منيرًا يتهافَتُ حولهُ تزويرُ المشكِّكينَ، وتندحرُ به شُبَهُ المنحرفين عن صـراطِ الأئمةِ (ع) المستقيمِ، لأنَّ مذهبَ الفرقةِ النصـيريةِ هو المذهبُ الإسلاميُّ الأصليُّ الذي يمثِّلُ بانتمائه العقائدي والفكري مذهبَ الأئمة من أهل البيت والأنبياء والرسلِ (ع) جميعًا، فليسَ هو طارئًا على الإسلام كما زعمَ البعضُ، لذلك يمكنُ القولُ أنَّهُ المفارقةُ التاريخيَّةُ التي وقعَ فيها الكثيرونَ ممن أرَّخَ لنشوءِ المذاهب الإسلاميةِ.
    ولعظمةِ الفرقةِ العلويةِ النصـيريةِ وسموِّ مقامِها في الحقِّ، وعمقِ أثرِها في دحرِ الباطلِ، وقفَ هؤلاء المنحرفون منها موقفًا عدائيًّا صارخًا، وسَعَوا لتشويهِ سُمعَتِها وإبعادِها وإفقادها جبهةَ الحقِّ الممثَّلَةِ في سُبُلِ الهدى الذين كانوا من أشدِّ المعارضـينَ لأحداثِ الباطلِ عبرَ التاريخِ، لِمَا كان لهم من دورٍ في ردِّ كيدِ المعطِّلينَ المبطلينَ إلى نحورِهم، وتفنيدِ شبهاتِ المنحرفينَ والاعتراضِ على باطلهم.
    وإذ لم يُتَحِ المجالُ في هذا الكتابِ للتَّعرُّضِ إلى كلِّ محاولاتِ التَّشويهِ في التاريخِ الإسلاميِّ بأكملِهِ منذ ظهورِ الإسلامِ حتى اليوم، سأكتفي ببعض النقاطِ التي أستعرضُها معكم ابتداءً من الربع الثاني من القرن الأول الهجري لنرى كيفَ سَجَّلَ التاريخُ هذه الفترة، وسوفَ أختارُ عدَّةَ أمثلةٍ لأدلِّلَ بها على كيفيَّةِ تشويهِ الحقائق التاريخيَّةِ.
    فقد تعرَّضَ سبلُ الهدى العلويةُ للتُّهمِ والافتراءاتِ، وما أكثرَ ما جنى المؤرِّخونَ على سبلِ الهدى وأركانِهم العظماءِ ذوي الفضلِ بدءًا من سلمان المحمدي الذي قال فيه رسول الله (ص): (ســـــلمانُ بحرٌ لا ينزفُ وكنزٌ لا يَنفَدُ، سلمان منَّا أهل البيت، يُمنَحُ الحكمةَ ويؤتى البرهانَ)، والمقدادِ الذي سألَ جابرُ بن عبد الله الأنصاري (ع) عنه رسولَ الله فقال (ص): (ذاكَ منَّا أبغضَ اللهُ مَن أبغضَهُ وأحبَّ مَن أحبَّهُ)، وأبي ذر الغفاري الذي ورد عن عبدِ اللهِ بن مسعود (ع) فيه قوله: (صدقَ رسول الله (ص) في قوله لأبي ذر (ع): تمشـي وحدَكَ وتموتُ وحدَكَ وتُبعَثُ وحدَكَ)، ومالك الأشتر (ع) الذي مدحَهُ أمير المؤمنين علينا من ذكره السلام بقوله: (هو سيفُ اللهِ لا ينبو عن الضَّـربِ ولا كليلَ الحدِّ ولا تستهويهِ بدعةٌ ولا تتيهُ به غوايةٌ)، وعمار بن ياسر (ع) الذي قال فيه رسول الله (ص): (إنَّ عمار مع الحقِّ والحقُّ معه) وغيرهم من الذين بجلالةِ قدرِهِم وعلوِّ شأنِهم ووثاقَتِهم، قاموا بقسطِ الهدى، فكانوا تَرَاجمةَ الوحي وأركانَ سـرهِ.
    واليوم لا غرابةَ في أنَّ الفرقةَ العلويَّةَ النُّصـيريَّةَ لم تَجِدْ تاريخيًّا خصومًا غير أولئكَ الذين تَضَلَّعوا في طـريقِ الوهمِ من أصحابِ النَّذْرِ القليلِ من الاطِّلاعِ، إذ جَعَلوا دَأبَهُم فقط المُمَاحَكَةَ والمُنَابَذَةَ والسَّعيَ في الضَّلالَةِ والتَّضليلِ. إنَّها قصةُ قديمةٌ مع خصومنا، فَهُمْ جاهلونَ أو حَمقى أو ذَاهلون أو شُذاذ، والمشكلةُ في هؤلاء أنَّ زَادَهُم من العقلانيَّةِ باتَ زهيدًا، وكلُّ يومٍ يَكشِفُ عن مزيدٍ من بَشَاعَتِهِم وَقَتَامَتِهم، فلا يَجرؤونَ على المواجهةِ والمجادلةِ إلا بالإفكِ والبُهتانِ، معتمدينَ التَّزويرَ والمكرَ، وَفُرصَتُهُم في ذلك الاستغيابُ العريضُ، لأنَّهم فَعلوا فِعْلَتَهُمْ وَراءَ الكواليسِ سابقًا، وَبِمَنْأى عن الشَّاهدين، مُعتَرِضـينَ على قولِ ربِّ العالمين: (وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
    ويمكنُ القولُ إنَّ هناكَ الكثيرَ من العواملِ التي لعبَتِ الدَّورَ الكبيرَ في محاولاتِ التَّشهيرِ بالشَّخصـياتِ العلويَّةِ الفكريةِ الفذَّةِ عن طـريقِ المحاولاتِ الكتابيَّةِ سابقًا ولاحقًا للتَّشويشِ عليها، حتى وَصَلنا إلى عصـر حُشـي فيهِ التاريخُ بالتَّضليلِ ضدَّ أصحابِ دعوةِ الحقِّ، الذين كانوا وما زالوا منابعَ الهدى الحقيقيَّة عندَ الفرقةِ العلويةِ، فهم أصحابُ الفكرِ الثاقبِ والعقلِ الثابتِ.
    فكيف جازَ لهم إيقاع الذَّمِّ على الذين أخَذُوا العِلمَ مِن يَنَابيعِهِ الرَّبانيَّةِ لقوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) وَمن مَواردِهِ النبويَّةِ لقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)؟ وكيفَ تصحُّ نسبةُ الشُّذوذِ لِمَن حَافَظوا على وَلائِهِم الكبيرِ للأئمةِ (ع)؟ وكيفَ اتَّهموا سُبلَ الهدى وأركانَهم متجاهلينَ كلَّ الأدلَّةِ الواردةِ بحقِّهم المؤيِّدةِ لهم عن الأئمةِ المعصومين (ع)؟!
    إنَّ الكتابَ الماثلَ بين يدي القارئِ الكريمِ هو دعوةٌ للتأمُّلِ العقليِّ ضمنَ الحدودِ التي أشـرنا إليها، فهو يعكسُ صورةً صادقةً عن حجمِ الهجمةِ الشـرسةِ التي أرادتِ التَّشويه.
    ولكن قاتلَ اللهُ الأحقادَ الجاهليةَ والتَّعصُّباتِ الشَّيطانيَّةَ التي جعلتْ ضعافَ النُّفوسِ يستميتونَ في سبيلِ منعِ استمرارِ آثارِ الأنبياءِ والأئمةِ (ع)، فرمَوا الفرقةَ العلويةَ النصيريةَ باتِّهاماتهم الضعيفةَ و....
    ولو أنَّهم قَرَعُوا الحجَّةَ بالحجَّةِ والدَّليلَ بالدليلِ لَكَانَ خَيرًا لهم، إذ أنَّ المرءَ يؤيِّدُ رأيَــــهُ بالحجَّةِ والبرهانِ لا بالتَّهجينِ والتَّشهيرِ، ولا يُعرَفُ الحقُّ من الأباطـيلِ إلا بالدَّليل، لا بالتَّهويلِ ومجرَّدِ الأقاويلِ.
    فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعونَ.. وسـيعلمُ الذينَ ظلموا أيَّ مُنقَلَبٍ سـينقلبونَ.. والعاقبةُ للمتَّقين.....
     

    كلمة المؤلف
    لم يكنْ يلوحُ للخيالِ أنَّ هناكَ مَن تستفزُّهُم العصبيَّةُ وَيُمنِيهِم الضَّلالُ وَيُغريهِم الجهلُ ليتعرَّضُوا بطبيعتِهِم الجعليَّةِ وقريحتِهِم الهمجيَّةِ إلى الاعتراضِ على ما وردَ عن السـيد أبي شعيب (ع) من قانونِ التعاليمِ العلويةِ الحاوي على العلومِ الربَّانيَّةِ والمعارفِ الإلهيَّةِ والرُّموزِ الرُّوحانيةِ، فهو قانونٌ سَماويٌّ دليلُهُ القرآنُ السَّاطعُ ومستَنَدُهُ كلامُ اللهِ القاطعُ، ومصدرُهُ التشـريعيُّ الحقيقيُّ أحاديثُ رسولِ اللهِ والأئمةِ وأهلِ العصمةِ (ع).
    هذا القانونُ المشتملُ على الأصولِ الاعتقاديةِ ومعارفِ وجودِ الحقِّ العقليةِ والشُّهوديَّةِ ينطبقُ على مقتضـى حكمِ العدلِ السليمِ بالميزانِ المستقيمِ، فهو الأساسُ المتينُ ومنارُ الهدى وَمَناطُ الحجَّةِ وأنموذجُ الإعجازِ الذي سَجَدَتْ لهيبَتِهِ الفصحاءُ، وَخَرَّتْ لوقارِهِ البلغاءُ، فَصَارَ الموردَ المستعذبَ والمنهلَ المورودَ وَرَوضَها المُرتادَ وإمامَها المُقدَّمَ وقاضـيها المُحكمَ، وهيهات هيهات فقد تَصَاغَرَ أمامَهُ العظماءُ وتحيَّرَ الحكماءُ وتقاصـر الحُلَماءُ وَعَجِزَ الأدباءُ وَعَيَا البُلغَاءُ.
    إنَّه صالحٌ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، مُشتَمِلٌ على المبادئِ الخالدةِ، بعيدٌ عن مشـروعيَّةِ القياس والاجتهادِ البشـريِّ، لم يلحقْهُ الانصـرامُ ولن يَتغيَّرَ على مرورِ الأيامِ، ويُعتَبَرُ لؤلؤَ بحرِ الفرقة العلويةِ النصيريةِ وقلادةَ نَصـرها وَعقدَها الفريدَ وبحرَها المديدَ، فهو أسمى وأقدسُ من نظـرةِ الجهلاءِ المتجاهلينَ، لأنَّهُ المنهاجُ الإلهيُّ الذي شاءَهُ اللهُ لعبادِهِ المؤمنين، والدينُ الفطـريُّ الذي لا يُتَصَوَّرُ زوالُهُ بوجهٍ من الوجوهِ، بل سـيبقى لأبدِ الآبدينَ حجَّةً ناطقةً على بطلانِ المذاهبِ الباطلةِ فهو الذي أوحاهُ اللهُ بقوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطـرةَ اللَّهِ الَّتِي فَطـر النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
    فتعاليمُ القانونِ العلويِّ النصـيريِّ هي المَدَدُ الرُّوحيُّ الذي يحيى به كلُّ مؤمنٍ الحياةَ الطـيبَةَ، وهي التي إذا عُمِيَ عنها الإنسانُ ظلَّ في مسارِبِ الحياةِ وَتَاهَ في أوديةِ الضَّلالِ، لذلكَ كان هذا القانونُ وسـيبقى دعامةً راسخةً في بناءِ الإسلامِ رغمَ جميعِ الإشاعاتِ التي تسـربَتْ لِلطَعنِ به، فغيرُ خفيٍّ على مَن لاحظَ القانونَ العلويَّ النصـيريَّ أنَّهُ كلامٌ لمعصومٍ، وهذا هو ما نبَّهَ إليه السـيد أبو شعيب (ع) كثيرًا في تعاليمِهِ مستندًا في ذلكَ إلى ما قاله الإمام علي علينا من ذكره السلام: (إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لا يَحْمِلُهُ إِلا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلإيمَانِ، ولا يَعِي حَدِيثَنَا إِلا صُدُورٌ أَمِينَةٌ وأَحْلامٌ رَزِينَةٌ).
    وتعاليمُ قانونِ الفرقةِ العلويةِ النصـيريةِ لها أعماقٌ لا يمكنُ للبعضِ سبرُ أغوارِها، إذ فيها دقائقُ راقيةٌ لا تنفذُ في فكرِ مَن لَوَّثتهُم الأفكارُ الماديَّةُ وارتَهَنَتْهُم الأدواتُ العصـريَّةُ.. فأينَ هم هؤلاء من هذا القانونِ النَّقيِّ الخالصِ؟ وكيفَ لهم أن يتعرَّضوا له...؟
    ومن المحطَّاتِ الملفِتَةِ للنَّظـر، والتي يجبُ التَّوقُّفُ عندها والتَّأمُّلُ فيها، هي عودةُ ظهورِ بعض المنحرفينَ عن الطـرقِ القويمةِ، خصوصًا أولئكَ المشكِّكون من أدعياء الثقافةِ المنسوبونَ ظاهرًا إلى الفرقةِ العلويةِ والمحسوبون عليها، الذين تَبَنَّوا حسبَ زَعمهم الخطَّ الإصلاحيَّ الواقعيَّ الحرَّ للدِّينِ، فَوَجدوا في آثارِ العولمةِ وانتشارِ التقنياتِ الحديثةِ فرصةً سانحةً للتعبيرِ عن انحرافِهم وَخَلْطِهِم المعتوهِ كأسلوبٍ جديدٍ مُبْتَدَعٍ.
    فهل يحقُّ لخصومِ الحقِّ استغلالَ التقدُّمِ الذي يشهَدُهُ العالمُ اليوم من تَطوُّرِ تقنيَّاتِ وسائلِ الاتصالِ واندلاعِ ثَورةِ تكنولوجيا المعلوماتِ التي وَفَّرَتْ أسـرعَ الطـرقِ لإيصالِ المعلوماتِ المُغرِضَةِ إلى النَّاسِ، وَشـيوعِها دونَ حَسـيبٍ أو رقيبٍ على مَدَى صِحَّتِها أو مُطابَقَتِها للحقيقةِ، وَيَكمُنُ الخطـر في الأفكارِ المشبوهةِ ذاتِ الأساليبِ المختلفةِ والألوانِ الزَّاهيةِ الجذَّابةِ، حيث لَجَأ البعضُ إلى دَسِّ سُمومِ أفكارِهم الهدَّامَةِ عبرَ شبكةِ الإنترنيت من خلالِ بعضِ المواقعِ المُغْرِضَةِ المليئةِ بالادِّعاءاتِ الحائدةِ والاتِّجاهاتِ الانحرافيَّةِ التي حَاولَتْ تحويلَ رياضِ المياهِ الصَّافيةِ للنصيريَّةِ إلى مُستنقعاتٍ سطحيَّةٍ آسِنَةٍ.
    والهوسُ هو الذي جعلَ أصحاب المواقعِ المغرضةِ يُقحِمُون أنفسَهُم في كلِّ ميدانٍ لا باعَ لهم فيهِ ولا مَتَاع، ويجيبُون على كلِّ سؤالٍ بما وسوسَ لهم الشـيطانُ من التُّرَّهاتِ المنمَّقَةِ بالأدبِ، فكانَ عَرضُهم من خلالِ ما رأيتُ على مواقعهم أجوفَ واستعراضًا دعائيًّا مقيتًا بَعَثَ الازدراءَ والاشمئزازَ في نفوسِ النخبة الواعيةِ، وخَلَّفَ الدَّاءَ والبلاءَ في جهةٍ أخرى، كان الضَّحيَّةُ الأولى فيها بعض الشَّبابِ المُثقَّفِ.
    والمؤسفُ أنَّ مثلَ هذه الأقوالِ الهزيلةِ بحقِّ الفرقةِ العلويةِ النصـيريةِ الموجودةِ على بعض المواقعِ بقيت مع الزمنِ كأنَّها مُسلَّماتٌ للبعضِ لا تقبلُ النِّقاشَ، يأخذُها المتأخرونَ من المتقدِّمينَ بدونِ الرجوعِ إلى مبادئِ وأصولِ الحقِّ، فما أعظمَ ذنبَ مَن خلَّفوا وراءَهم تركةً مكتوبةً موبوءةً ضدَّ النصيريةِ فكانت لاحقًا زادًا للسُّمومِ عندَ مَن أجازَ اليومَ تقليدَهم...!
    ليسَ هذا غريبًا عن أهلِ الباطلِ، فالتَّزييفُ وسـيلَتُهم الدَّائمَةُ لِطـرحِ أفكارِهم الخاطـئةِ، والتَّكذيبُ الإعلاميُّ الحاليُّ عبر الإنترنيت طـريقُهُم للوصولِ إلى الاستيلاءِ على عقولِ الناسِ، ولكنَّ الخطـر الأكبرَ كانَ من هؤلاءِ الذين جَعَلوا أنفُسَهم بِمَوَاقِعِهِم دُعاةً للعلويينَ دونَ أن يَعرِفُوا أو يَقتربوا من أصولِهم، فَدَسُّوا ضدَّ النصيريةِ سمومَهم المميتةَ في مواقع الإنترنيت التي كانت في عناوينها مُزَخْرَفَةً، ولكنَّها في حقيقةِ الأمرِ ما هي إلا أداةٌ هدَّامةٌ لكيانِ الشَّابِّ المسلمِ العلويِّ النصـيريِّ، ومحاولةٌ لإهراقِ أرواحِ الأجيالِ النقيَّةِ، وإزهاقِ نفوسِ الأبناءِ البريئةِ، وتدميرِ دِيارِ الشَّبابِ الإيمانيَّةِ العامرةِ، وتبديدِ صُفوفِ الإخاءِ الاجتماعيَّةِ المتراصَّةِ، نتيجةً لأقوالهم الجائرَةِ الغَاشِمَةِ حول النصيريةِ.
    فقد أُنشـِئَتْ مواقعُ الاجتهادِ لتكونَ مراكزَ لتعطـيلِ حركةِ النَّهجِ العلويِّ النُّصيريِّ، ولإدخالِ بعضِ المفاهيمِ التَّحريفيَّةِ والتَّشويهاتِ التَّخريبيَّةِ إليه.......! وما أُثيرَ في مواقع شبكة الإنترنيت من ضَجَّةٍ مُفتَعَلةٍ حول الفرقةِ العلويَّةِ الإسلاميَّةِ النصـيريَّةِ ومُحَاولاتِ المُصَادرةِ لهذا النَّهجِ شـيءٌ يَنْدَى له الجبينُ.
    فهل حان الوقتُ لإشغالِ الطبقةِ المثقَّفةِ لدينا بدراسةِ ومطالعةِ بحوثٍ سامَّةٍ ومقالاتٍ هزيلةٍ دَبَـجَتها أقلامٌ مأجورةٌ وأَمْلَتْها نفوسٌ ضعيفةٌ في مواقع الإنترنيت؟ ومتى أصبحَ النَّهجُ العلويُّ النصـيريُّ مُصادَرًا من أصحابِ مواقع الإنترنيت...؟ ومتى أصبح شأنُ هذهِ المواقعِ الفاسدةِ إطلاق اتِّهاماتٍ حاقدةٍ وأبواقٍ حاسدةٍ...؟
    والسؤال المطروحُ: أين اليوم مَن ينبِّهُ ويدعو وَيَـحُثُّ على العيشِ في حالةِ الطَّوارئِ الدِّينيَّةِ للتَّصدِّي للتياراتِ التَّشبيهيَّةِ الباطلةِ في تلك المواقعِ وغيرها؟

    عزيزي القارئ:
    لقد حزَّ في نفسـي كلُّ هذا الحيف، فصمَّمتُ على كتابةِ هذا البحثِ لَعَلِّي أُسهِمُ به في إسفارِ الحقيقةِ عن وجهها، ولسنا فقط في معرضِ الدِّفاعَ عن الوجودِ المقدَّسِ للقوانينِ السَّماويَّةِ فحسب، بل ابتغاءَ إزاحةِ اللثامِ عن الدَّسائسِ التي تريدُ بنا الهلاك.
    ويجدرُ بي التَّنويهُ إلى حقيقةٍ ينبغي أن يضعها القارئُ نصبَ عينيهِ، وهي أنَّ ما أَرَدْتُهُ من ترجمةٍ لمعالمِ نَهجِ السيد محمد بن نصير (ع) لم يكنْ لِسَوقِ الاستدلالِ التاريخي فقط بقدرِ ما كانَ عرض متبيِّناتِ علمِ حُجَّةٍ يمثِّلُ إحدى قممِ الهرمِ للفرقة العلوية، لا يحكمُ بالظَّنِّ والتَّخمينِ من غيرِ تحقيقٍ ويقين.
    إنَّ هذا البحث على إيجازِهِ سـيكونُ بإذنِ اللهِ تعالى وافيًا بالغرضِ في إعطاءِ صورةٍ دينيَّةٍ شاملةٍ وتاريخيَّةٍ دقيقةٍ عن مذهبِ العلويةِ النصـيريةِ من حيث نشأته وأدلَّة حجيَّةِ أصولِهِ ومرتكزاتِهِ وأحكامِهِ العقائديَّةِ والفقهيةِ.
    ولعلَّ فيما تقدَّمَ ما يَدُلُّ القارئَ على سببِ الإرادةِ للكتابةِ في هذا الموضوعِ الهامِّ وأهميتهِ لأنه محلُّ جَدَلٍ خاصَّةً بين الشبابِ اليوم، فالأضواءُ في هذه الأجواءِ الصَّعبةِ التي كَثُرَتْ فيها المحاولاتُ تخرجُ لِتَوجيهِ الجيلِ العلويِّ النصيريِّ الناشئِ للخطأ لِيُصبِحَ ضَائعًا حَائرًا عندما لجؤوا إلى كثيرٍ من تقليدِ التَّلفيقِ من خلال استئصالِ أكبادِ النُّصوصِ والأحاديثِ تحتَ تَحَكُّمِ الأهواءِ والميولِ بِفِعْلِ تَنَطُّعٍ وَنَزَقٍ لا رَادِعَ لهما.
    لذلك لم يعُدْ للسُّكوتِ عن هؤلاءِ من نتيجةٍ، وخاصَّةً في ظلِّ طلبٍ من شَبابِ هذه الفرقةِ العلويَّةِ النصـيريَّةِ لأسبابِ تقويةِ بنيَتِهم العقائديَّةِ السليمةِ.
    وَسـيكشفُ ضَوءُ ما قَابلناهُ بِهِ من سلسلةِ الحقيقةِ العلويَّةِ، والتي ستكونُ بإذنِ اللهِ لإثباتِ كلمةِ الحقِّ في جُلِّ المسائلِ الخلافيَّةِ ضدَّ المنحرفين عن دينِ الحقِّ عن طـريقِ تَفصـيلِ الأدلَّةِ.
    من هنا كانت قيمةُ البحثِ عن مبادئِ الاعتقادِ العلويِّ النصـيريِّ ضـرورةً مُلِحَّةً من خلالِ هذهِ القراءةِ التي سَتُوقِفُنا على عظَمةِ هذا الاعتقادِ.
    وهذا هو السَّببُ في تأليفِ الكتابِ الذي سَنُقدِّمُهُ لِدَحضِ مواقعِ الأفكارِ المشوَّهَةِ وإخراسِ الألسنَةِ الآثمَةِ من أجلِ إعادةِ سطوعِ ضـياءِ الحقيقةِ العلوية النصـيريَّة؟!
    فأرجو أن يكونَ هذا الكتابُ خطوةً في طـريقِ التَّصدِّي للانحرافِ والعبثِ الفكريِّ الذي نتجَ عن خوضِ الجهلةِ الحاسدةِ ممَّن عرفوا شـيئًا وغابَت عنهم أشـياء....
    وبعد فسوفَ أذكرُ في نهايةِ الكتابِ بعضَ الحقائقِ التاريخيَّةِ العميقةِ في أبعادِها ونتائجها، لأنَّهُ من الواضحِ وجودُ جفافٍ للمباحثِ التاريخيةِ المقتحمةِ لموضوعِ النُّصـيريَّةِ.
    أرجو أن يفتحَ هذا الكتابُ آفاقًا شاسعةً تبعدُ الشبابَ العلويَّ النصيريَّ عن كلِّ رداءةٍ شَائعةٍ من أقلامِ الحاقدين، من خلالِ البيِّناتِ الواردةِ التي طُلِبَ عليها إقامةُ الأدلَّةِ الدامغةِ. وبالله المستعانُ لتسجيلِ الأفكارِ الأساسـيةِ في هذا الجزءِ الرابعِ وفق هذا الترتيب للشواهدِ:
    أولاً- الحجة الحق.
    ثانيًا- فلسفة المثال عند أفلاطون وأبو شعيب (ع).
    ثالثًا- نهج السيد أبي شعيب (ع).
    رابعًا- علوم السيد أبي شعيب (ع) القرآنية.
    خامسًا- مكانة السيد أبي شعيب (ع).
    سادسًا- زمن الغيبة.
    نسأل الله التوفيق في قول الحق ونطق الصدق
    والله من وراء القصد
     

    الحجة الحق
     فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ
    مَن يتتبَّعِ الآياتِ القرآنيَّةَ المتعلِّقةَ بالحجَّةِ يجدُ أنَّ القرآنَ الكريمَ قد حدَّدَ الحجَّةَ الحقَّ، ورسمَ لها الصورَ، فكلُّ حجَّةِ حقِّ على وجهِ الأرضِ تندرجُ بالضـرورةِ أن تكونَ تكوينيَّةً حقيَّةً. وتنصبُّ مهمةُ الحجَّةِ الحقِّ على تبليغِ وبيانِ الأحكامِ للناسِ كما في قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ).
    هذه الحجةُ الحقُّ هي القيادةُ التكوينيَّةُ والمرجعيةُ الموثوقةُ من بعد الأنبياءِ والأئمةِ (ع)، وقد ساقَ اللهُ تعالى أولئكَ الذينَ كانوا يهدونَ بأمرِ الله أمثلةً للحجَّةِ التكوينيةِ، وهذه الحجةُ لا ينالها إلا أهل العصمةِ من عبادِ اللهِ، لأنها محرَّمةٌ على الظالمين لقوله تعالى: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، فالحجةُ التكوينيةُ هي مَن اختارَهُ الله تعالى ليكونَ المؤتَمَنَ على دينِ اللهِ، لأنَّه الممثِّلُ لأمورِ التشـــريعِ والتَّحقيقِ والأقربُ للهِ وأنبيائِهِ (ع)، وصاحبُ الكلمةِ العليا.
    هذه هي مميزاتُ الحجة التكوينيةِ وصفاتُها، وقد بيَّنَ القرآنُ معالمَ الحجَّةِ التكوينيةِ، فالحجةُ مستمرَّةٌ لا تنقطعُ لقوله تعالى: (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ). صحيحٌ أنَّ الأئمة (ع) لم تســـــتمر بعدَ الإمامِ الثاني عشــر (ع)، لكنَّ الحجَّةَ الحقَّةَ مستمرَّةٌ كنذيرٍ لعمليةِ الاستقامةِ على دربِ استمرارِ الهدايةِ، وعدالةُ اللهِ تعالى هي في استمراريَّةِ الحجَّةِ كرسالةٍ لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)، فالرســــــالةُ كــقيـادةٍ لا تتوقَّفُ ولا تنقطعُ، مع التأكيدِ أنَّهُ لا يمكنُ جمعُ الرسالةِ مع جميعِ حالاتِ الضَّعفِ البشريِّ لذلك قال تعالى: (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).
    من هنا كانت اســتمراريَّةُ نهجِ رســالةِ النصـيريَّةِ وديموميَّتُها بعدَ الإمام العسكريِّ (ع) الذي ثَبَّتَ دعائمَ الفرقة العلويةِ النصـيريَّةِ من خلال تعيينِ السـيد أبي شعيب (ع) حجَّةَ حقٍّ له.
    فالسَّببُ الوحيدُ في لقبِ النصـيريةِ هو النِّسبةُ إلى حجةِ الإمامِ الحادي عشـر من أئمَّةِ أهلِ البيتِ الحسن الآخر العسكري (ع)، وهو محمد بن نصـير المعروفِ بالسـيد أبي شعيب (ع)، وليس للعلويين أيُّ ضـيقِ صدرٍ لتسميتهم بالنصـيريةِ.
    وقد بيَّنَ الإمامُ العسكريُّ (ع) أنَّ السـيدَ أبا شعيب (ع) هو القائدُ التكوينيُّ الشـرعيُّ والمرجعُ الموثوقُ من بعده، وهو المؤهَّلُ إلهيًّا ليَخلفَهُ ويقومَ بمهامِهِ من بعدِهِ. وشهدَ الإمام العسكريُّ (ع) له بأنَّهُ الأعلمُ والأقربُ له، فصارَ محمد بن نصـير (ع) الحجَّةَ الحقَّ اللازمةَ، لأنَّ حجَّتَهُ لها أحكامُ الولايةِ، وعلمَهُ علمُ المحجَّةِ والنَّجاةِ، علمُ العللِ الأولى والمبادئِ الحقَّةِ، وسوفَ نرى ذلكَ بدايةً من خلالِ فلســـــفةِ المثالِ عند السيد أبي شعيب (ع).
     

    Basem76

    عدد المساهمات : 4
    تاريخ التسجيل : 19/01/2011

    القسم الثاني من الكتاب

    مُساهمة  Basem76 في 1/2/2011, 1:47 pm

    نتابع الكتاب بعونه تعالى.....

    فـلســــفـة الـمـثـــــال
    عند أفلاطون وأبي شعيب (ع)
    عندماَ نَتَحَدَّثُ عن نظـرية المثال عند السيد محمد بن نصـير (ع) لابُدَّ من الرَّبطِ مع نظـرية المُثل للسيدِ الفيلسوفِ أفلاطون، والذي يَجمَعُهُما أسلوبُ الحوارِ باستخدامِ المنطقِ بِكُلِّ دِقَّةٍ في الأسلوب المنهجيِّ للبرهانِ على وجودِ عوالِمِ المُثُلِ، بالإضافةِ إلى البحثِ عن معرفة المَثَلِ الأعلى، فالفكرُ الأفلاطُونيُّ هُوَ الفكرُ النُّصـيريُّ برؤيةِ هذا المَثلِ الأعلى كأسمى غايةٍ للمعرفةِ.
    فَكَمَا يَحتَلُّ مذهبُ السيدِ الفيلسوفِ أفلاطون منزلةَ الصَّدارة في تاريخِ الفكرِ الإنسانيِّ، كذلكَ فلسفةُ أبي شعيب (ع) لها التَّأثيرُ الواضحُ المعالمِ في مختلفِ التَّيَّاراتِ الفكريةِ برغمِ الوجودِ الدائمِ لمُزيِّفي الآثارِ الذين وضعوا قديمًا أقوالاً تتَّهِمُ السيدَ الفيلسوفَ أفلاطون بأنَّهُ يقولُ بالإباحيَّةِ فما أشبهَ الماضـي بالحاضـر! كيفَ يُتَّهمُ السيدُ أفلاطون والسيدُ أبو شعيب (ع) دونَ أنْ يخطـر ببالِ هؤلاء المزيِّفينَ للآثارِ العظيمةِ تنزيهُ أصحابِ نظـريةِ المُثُلِ والمثالِ عن جميعِ الدَّعاوي المُزَّيفةِ وأمثالِها الدَّخيلةِ على الفكر الأفلاطونيِّ والنصيريِّ وهُوَ مُنَزَّهٌ عنها؟
    هؤلاء المزيفونَ انطبقَ عليهم قوله تعالى: (صـرفَ اللهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون)، وما حصلَ من الضَّجيجِ المصطَنَعِ بادِّعاءِ أهلِ السَّفسطةِ السَّابقةِ حولَ نقدِ الوليِّ الفيلسوفِ أرسطو للسـيد الفيلسوفِ أفلاطون، مَثَلُهُ حصلَ بادِّعاءِ أهلِ السَّفسَطَةِ الحالية حولَ نقدِ الإمامِ العسكري (ع) للسـيد أبي شعيب (ع).
    وكما لمْ يشهدِ التَّاريخُ فلسفةً كاملةً جامعةً كفلسفةِ أرسطو وأفلاطون وسقراط وبقراط وجالينوس وغيرهم، سيشعرُ القارئُ للسـيد أبي شعيب (ع) بأنَّ السيدَ الفيلسوفَ أفلاطون مازالَ ماثلاً بيننا ويُحدِّثنا بلغتِنا.
    فالفرقةُ العلويَّةُ النَّصـيريَّةُ التي تَلَقَّتِ الفلسَفَةَ الإلهيَّةَ عن المصادِرِ المعصومَةِ، لا فرقَ عندها بين فلسفةِ السيدِ الفيلسوفِ أفلاطونَ الباحث عن وجودِ الحقِّ في السَّماءِ وبينَ فلسفةِ الوليِّ الفيلسوفِ أرسطو الباحث عنه في الأرضِ، ولا خلافَ بينَ الوليِّ الفيلسوفِ أرسطو والسيدين الفيلسوفَين أفلاطون وسقراط لأنَّهم مُنَزَّهونَ عن إمكانِ الوقوعِ بالخطأ مهما كثرتِ دَعاوي الحاسدينَ الذين شغلوا أنفُسَهم في التَّعليقِ على نتاجهِم الفكريِّ دونَ الوصولِ إلى عمقِ آرائِهِم، وسنوردُ باقاتٍ شذيَّةً من فلسفةِ السـيدِ الفيلسوفِ أفلاطون والسيدِ أبي شعيب الفاضلة.
    وسنثبتُ لأربابِ العقولِ جميعًا أنَّ عباراتِ وعلومَ السيدِ أبي شعيب (ع) الفلسفيَّةَ تأخذُ بناصيةِ كلِّ ناقدٍ جاهلٍ إلى الاعترافِ بالعجزِ عن الوصولِ إلى شواطئ هذا الغورِ، لأنَّ العقولَ البشـريةَ مهما أوتِيَت من العرفانِ لن تستطيعَ إدراكَ جزءٍ من عباراتِ التوحيدِ والفلسفةِ للسيد أبي شعيب (ع) لجلالةِ وعظمةِ منزلَتِهِ من خلال نظريَّتِهِ الدَّالةِ على أنَّ لفظةَ (ذاتُ المُثُلِ) مشتقَّةٌ من المصدرِ الدَّالِّ على وجوبِ وجُودِها للحاجةِ والضـرورةِ إليها من قِبَلِ المُتَكَلِّمينَ، وليست حدودُ وجودِها وتحولاتُّها وتكاثرُها إلاَّ من قِبَلِ جواهر وأعراضِ المُثُلِ لا مِن حيثُ ذاته، فجواهرُ وأعراضُ المُثُلِ لا تَعَدُّدَ ثابتَ عليها لأنَّنا نشهَدُها كُلَّ يومٍ في شأنٍ، ولعجزِ المخلوقينَ عن إدراكِ ذاتِ المُثُلِ كانَت المُثُلُ الظَّاهرةُ للمخلوقينَ كصفاتِهِم الحيثيَّةِ لقوله تعالى: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ).
    فذاتُ المُثُلِ قبل تكوينِ الممثولاتِ لم يقعْ عليها حدٌّ ولا عدٌّ ولا نوعٌ، بل هي منفردةٌ عن جميعِ أنواعِ الممثولاتِ، وذاتُ المُثُلِ لم تَبدُ إلاَّ ببدايةِ التَّكوينِ، كما لم يكنْ له هنالِكَ مماثلةٌ إلاَّ بعد إيجادِ الواصفينَ المُتَكلِّمينَ بقدرةِ قديرٍ وحكمةِ حكيمٍ، أي أنَّ الألفاظَ المركَّبَةَ والكلماتِ الرَّقميَّةَ واللفظيَّةَ في قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ)، تدلُّ على ما يتَرَكَّبُ عنها مما لا يَتَناهى من الكلامِ من أدوارِها الدَّالةِ على الشُّؤونِ المشارِ إليها بقولِهِ تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)، فالشُّؤونُ هي المَثَلُ الأعلى التي يُبديها لعبادِهِ إيناسًا ولطفًا، وكلٌّ من أصحابِ الممثولاتِ شَاهَدَ المُثُلَ بحيثِهِ ونوعِهِ وعلى قدرِ استطاعتِهِ لقولِهِ تعالى: (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسـى).
    ولعلمهِ تَعَالى بِعَجزِ عالمِ الحسِّ عن إدراكِ المشاهداتِ والعلومِ المتميِّزَةِ لعالمِ العقلِ جَعَلَ لكُلٍّ على مقدارِ أفهامِهِم لِيَتُمَّ الاستدلالُ على قوله تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
    فالمُثلُ عند السيدِ الفيلسوفِ أفلاطون آثارُها عقليَّةٌ وحسـيةٌ، وسمَّاها حقائقَ، حيث يقولُ السيدُ الفيلسوفُ أفلاطون في محاورة السَّفسطائي الجاهلِ: (إنَّ بعضَ المُثُلِ العقليَّةِ المُجَرَّدَةِ عنِ الجسمِ هيَ الوجودُ الحقيقيُّ)، ويقول: (مُستحيلٌ أنْ يكونُ عينُ الذَّاتِ والوجودُ واحداً).
    سُبحانه وتعالى ربُّ العالمين كانَ عرشُهُ على الماءِ قبلَ وجُودِ العَالمينَ لقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء)، فالمثالُ الأوَّل هُوَ أوَّلُ المكوِّناتِ وتكوينُهُ قبل كُلِّ المكوَّناتِ, والإستواءُ في قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) هو مُمَاثلةٌ، وهذا دليلٌ أنَّ ذاتَ المُثُلِ أجَلُّ وأعظمُ ممَّا يشاهِدُهُ المثالُ الأوَّلُ بِهِ, وقولُ اليهودِ أنَّه: (استراحَ في اليومِ السَّابِعِ) جاءَ مقابلَهُ في القرآنِ قولُهُ تعالى: (وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ) إفرادًا لا عَدَمًا.
    وكانتِ الحكمةُ الإلهيةُ في إيجادِ الممثولاتِ لا عن حاجةٍ منه إلى إيجادِهم ولا عن عَبَثٍ، لأنَّه تعالى منزَّهٌ عن العبثِ، فأوجدَ الممثولاتِ بمقتضى حكمَتِهِ، وأمرَهم بمعرفةِ المثلِ الأعلى.
    فلمَّا شاءَ الباري وأرادَ وقضـى وقدَّرَ كوَّنَ الممثولاتِ العقليَّةَ والحسـيةَ ليدُلَّ بفضلِهِ على عدلِهِ، ثُمَّ كوَّنَ بوسائِطِها وأراهُم وجودَها فَرَأوها بأنواعِ حيثيَّاتِهم وَوَصَفوها بِحَدِّ استطاعتهم وعَرفوها على قدرِ دَرَجاتهم، فلا يستوي اثنان منهم بـمعرفَتِها ولا بمشاهدَتِها، وَلِـعَجزِهِمْ عَنْ إدراكِ ما لا يستطـيعونَ من مَكنونِ ذَاتِ المُثُلِ ولحاجَتِهم للشَّهادةِ إليها وَلِضـرورَتِهم إلى معرِفَتها بالأدلَّةِ عليها وَصَفُوها بِصِفَاتِهم التي شاهَدوها وَسَمَّوها بأسمائِهم التي عَرَفوها بِهَا واستدلُّوا عليها بما أَورَتْهُ لهم من قُدرَتِها، ولما رَأوا المماثلةَ أثبَتُوها وَتَحقُّقوها وأفرَدُوا ذاتَ المُثُلِ عن تَمَثُّلاتِهِم، لأنَّ التَّمثُّلاتِ واقعةٌ بالمخلوقينِ من الممثولاتِ العقليَّةِ والحسـيةِ والطبيعيَّةِ حيث يقولُ السيدُ الفيلسوفُ أفلاطون: (الوجودُ بذاتِهِ غيرُ الأجناس الأخرى)، ولولا وجودُ ذاتِ المُثُلِ لَبَطُلَتِ الممثولاتِ لأنَّها الأصلُ ومنها الفاعليَّةُ والمَدَدُ.
    فذاتُ المُثُلِ تَتَجَلَّى من حيثِها المُجَرَّد فَتُرَى من حيثِ عالم العقلِ والحسِّ، وحيثُ أنَّ ذاتَ المُثُلِ هي الأصلُ ومصدرُ تلكَ المعاني المنفعلَةِ، ومنها تَستَمِدُّ، لذلك دُعِيَتْ ذاتُ المُثُلِ بعدَ التَّكوينِ بالفاعلةِ.
    أمَّا عدمُ المعرفةِ لذاتِ المُثُلِ لا يعني عَدَمَها لأنَّ الدَّليلَ موجودٌ، ولو فرَضنا عدمَ وجودِ الدَّليلِ فإنَّهُ ليسَ دليلاً على عدمِ الوجودِ، وإنَّما هو دليلٌ على عجزِ المُتَكَلِّمِ عن تَقديمِ الدَّليل.
    فإنْ قالَ لنا قائلٌ: إنَّ التَّجريدَ عن التمثُّلاتِ الماثلةِ للممثولاتِ يعني العدَمَ.! قلنا له: إنَّ التَّجريدَ عن التَّمثُّلاتِ لا يعني العدمَ، لأنها غنيَّةٌ عن الممثولاتِ ومشاهداتِها، والتجريدُ لا يعني نفيَ الوجودِ العينيِّ كما يَتَوَهَّمُ البعضُ، إنَّما هُوَ التَّعظيمُ كُلُّ التَّعظيمِ لها لأنَّها منزَّهةٌ عن الجنسـيةِ والماهيَّةِ التي يُسألُ عنها بـ (ما هو؟).
    فذاتُ المُثُلِ من حيثِ غَيبِها الخَفيِّ لها مثالٌ هو السُّكونُ الرَّتقيُّ الدَّالُّ على التجريدِ، وكلُّ ما خلقَ اللهُ من الممثولاتِ بما في ذلكَ المثالُ الأولُ فَهُم من نوعين، فالمُثُلُ جامعةٌ لئلاَّ تُتَوَهَّمَ العدميَّةُ، وللإفرادِ عن لوازِمِ الحدوديَّةِ.
    كما أنَّ الأدواتِ وما وراءَ ذلكَ من أفكارٍ وعقولٍ وأفهامٍ قد وجدَ بواسطَتِها تجلٍّ رقمي حيثي كما هي استطاعاتُ ذَويها وَمَدارِكُهم المُحدَثَةُ، وذلكَ لحاجَتِهم وليستَ لحاجةِ ذاتِ المُثُلِ، فاستدلالاتُها الماثلةُ لها إنْ كانت خياليَّةً أو حسـيةً أو عقليةً واقعةٌ على الممثولاتِ لا على حقيقةِ المُثُلِ لقول أمير المؤمنين علينا من ذكره السلام: (فَصَارَ كُلُّ ما خَلَقَ حُجَّةً لَهُ وَدَليلاً عَلَيهِ)، فالخلقُ لا يَفهمونَ إلاَّ بوسائِطِهم وما هُوَ على شَاكِلَتِهِم، قالَ تعالى: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).....
    هذه حقيقةٌ لأن وجودَها بعدَ الخلقِ لا يعني أنَّها كانت معدومةً فَوُجِدَتْ، بل إنَّهُ دليلٌ على وجوبِها، فإذا كانَ لديكَ علمُ شـيءٍ وبقيَ مكتوماً لديكَ ولم تُحَدِّثْ بهِ فلا يعني أنَّ عِلمَكَ بهِ غيرُ موجودٍ.
    فعندَ وجودِ ذاتِ المُثُلِ يَعرِفُ وجودَها كُلٌّ على قدرِ استطاعتِهِ، فإنْ تَصَوَّرَها الفكرُ فبوسائِطِهِ وانطباعاتِهِ وحدودِ آفاقِهِ، لذلك يختلفُ هذا التَّصوُّرُ من مخلوقٍ لآخر، في حينِ أنَّ ذاتَ المُثُلِ لم تَتَغَيَّرْ ولم تَختلفْ ولمْ تُعرَفْ ولم تُعلَمْ لأنَّها ليسَتْ حَرفًا ولا عددًا ولا في شـيءٍ فَيَنَالَها الحصـر، ولا مِن شـيءٍ فتكونَ مسبوقةً، ولا على شـيءٍ فتكونَ محمولةً، ولا مع شـيءٍ فيكونَ لها عديلاً، ولا كشـيءٍ فيكونَ لها شبيهًا، ولا لا شـيءَ فتكونَ عدمًا، وليست موصوفةً فَيعرِفَها العقلُ، ولكنْ يمكنُ التَّكلُّمُ عنها بالوسائطِ الدَّالةِ عليها بِحُكمِ استعدادِ المخلوقاتِ وَمَفاهيمِهِم وَمَداركِهِم المحدودَةِ لا كما يليقُ بها.
    فلا أحدَ يَقدِرُ أن يَتَكلَّمَ عنها أو يتلفَّظَ بها لأنَّها مجرَّدةٌ عن الأبعادِ، ولذلك لا يقعُ عليها الكلامُ قبلَ الخلقِ لأنَّها ليسَتْ مركَّبَةً فتكونَ مُفتقِرَةً لغيرِها غَنِيَّةً عن كلِّ شـيءٍ لقوله تعالى: (وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، فكلُّ الممثولاتِ تستعينُ بإشـراقِ وجودِ المُثُلِ، وذاتُ المُثُلِ لا تَستعينُ بشـيءٍ منها.
    وإذا قُسِّمَتِ التَّمثُّلاتُ على أربابِها، ونُسبَتْ كُلٌّ منها إلى أصلِهِ، لا يبقى أيٌّ منها ثابتٌ على ذاتِ المُثُلِ لقوله تعالى: (بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا)، فالمجرى والمرسـى لجواهر وأعراضِ المُثُل.
    أمَّا التَّعدُّدُ والتَّفاوتُ لدرجاتِ الممثولاتِ وَتَفاضلِ علومِهم لنعلمَ يقينًا أنَّ اختلافَ التَّمثُّلاتِ هو من حيث اختلافِ درجاتِ الممثولاتِ لا من حيث ذاتِ المُثُلِ، وهذا من رحمتِهِ العامةِ وحكمتِهِ التَّامةِ ولطفِهِ وفضلِهِ وهُداهُ بإثباتِ وجودِ المثلِ الأعلى للعيانِ في كفَّتي الميزانِ بكاملِ الإتقانِ، والاتصالِ ثمَّ انفصالِ ذاتِها- التي لا يفرقُها البعضُ ولا يجمعُها الكلُّ- عن الأشكالِ والأمثالِ.
    لقد كَبُرَت على خصومِ السـيد أبي شعيب (ع) الذينَ نفوا وعطَّلوا وجودَ الحقِّ فلسفةُ التَّجلي ولم يَستوعِبُوها فأنكروا بيانَ وجوبِ وجودِ الحقِّ إثباتًا ثمَّ تَنزيهًا، وانقسموا إلى قسمين: قسمٌ زعمَ أنَّه لا يمكنُ الرؤية أبدًا، وقسمٌ آخر زعمَ أنَّه لا يمكنُ رؤيتُهُ إلا يوم القيامة!؟
    فالسَّيدُ أبو شعيب (ع) يؤكِّدُ أنَّ المُثُلَ هي لإثباتِ وجودِ منظورٍ للممثولاتِ كالممثولاتِ عيانًا وبيانًا وحكمةً وعدلاً كصفةِ الملائكةِ والآدميين، فليسَ جائزًا في الحكمةِ الإلهيةِ الوجودُ بحقيقةِ المُثُلِ كشفًا، لأنَّهُ لا يَثبُتُ لها شيءٌ من الممثولاتِ. وبما أنَّ العبادةَ قد وَجَبَتْ لمَن لا شريكَ له، المستحيل عدَمُهُ، فقد وجبَ في الحكمةِ الإلهيةِ وجودُ المثلِ من غير حلولٍ تأنيسًا للمؤمنين.
    وهذا ما تشـرَّبَهُ السيدُ أبو شعيب (ع) من نبعِ علومِ أمير المؤمنين علينا من ذكره السلام في نهج البلاغةِ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الأمُوُرِ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلامُ الظُّهُورِ)، فقال السيد أبو شـــــعيب (ع): (مَن قالَ هو اللهُ ظَهَرَ كيفَ شاءَ لمن شاءَ، لا موصوفٌ ولا محدودٌ... فقد استَدَلَّ بهِ على صورتِهِ ولمّا استدلَّ بمعرفةِ صورتِهِ عليهِ فَقَد صارَ بعونِ اللهِ سبيلِ النَّجاةِ).
    أي أنَّ تلكَ المُثُلَ هيولى الهيولاتِ وفاعلةُ المفعولاتِ وأسُّ الحركاتِ، مُعِلَّةُ كلِّ علَّةٍ، وكانت المثلُ ليستدلَّ العبدُ على المعبودِ، فكلُّ مَن أتى بجوابٍ يدلُّ على وجودِ المُثُلِ للآدميينَ، ولم يدل على وجودِها للملائكةِ فيكون ذلك التأويلُ محرَّفًا عن ميزانِ الحقِّ، ويكون قد اعتقدَ أنَّ الآيةَ: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي الْأَرْضِ)، منقصًا السموات من الآية، مع أنَّه تعالى قال: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ)، فالمثلُ الأعلى لأهلِ السمواتِ دائمٌ عيانًا، وهو قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ)، وذلك يعرفُهُ العارفونَ لأنَّهُ حجَّةٌ قاطعةٌ لا تقبلُ الجدلَ عند أولياءِ اللهِ الذينَ امتحنَ اللهُ قلوبَهم بالإيمانِ.
    والمُثُلُ هي النِّعمةُ الكبرى التي خصَّهم بها سبحانَهُ كأجلِّ نعمةٍ وأثناها دلالةً على عدلِهِ ولطفِهِ التامِّ في سمواتهِ وأرضهِ، فمَن تمسَّكَ بهِ نجا من الغرقِ وسَمَا وارتفعَ، ومَن تخلَّفَ عنه غرقَ وهوى في ورطةِ الهلاكِ. والمؤمنُ العارفُ يتدبَّرُ قوله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ)، فتنزُّلاتُ أسمائِهِ الحسنى هي التَّجلياتُ الأسمائيَّةُ الدالةُ على الحقائقِ الإلهيةِ، وليسَ في الأمرِ مجازًا ولا تشبيهًا، وإنَّما توحيدٌ كشفيٌّ سماويٌّ وأرضيٌّ.
    وما زالَ الناسُ يتفاوتونَ في هذا المضمارِ كلٌّ حسبَ مَقدرَتِهِ، فالأفكارُ تتفاضَلُ بحسبِ اتِّساعِ آفاقِها وَبُعْدِ مَدَارِكِها مع العلمِ أنَّ الفارقَ بين أهلِ المزاجِ وأهلِ النَّقاءِ كالبُعدِ بينَ الأرضِ والسماءِ، فالله تباركَ وتعالى الذي أوجدَ لنا هذه المُثُلَ دالَّةً على وجودِهِ للعالمين في الأرضِ وفي الأفقِ المبينِ. ورغمَ هذه البراهينُ القاطعةُ فإنَّ أهلَ الضَّلالةِ يجحدونَ وجودَهُ بالأفقِ المبينِ، وفي شأنِهِم جاءَ قوله تعالى: (لَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصـرونَ بِهَا).
    وهذا هو الذي ذُكِرَ عن أمير المؤمنين علينا من ذكره السلام بقوله: (لطيفُ اللطافةِ لا يوصَفُ باللطفِ، عظيمُ العظمةِ لا يوصَفُ بالعظمِ، كبيرُ الكبرياءِ لا يوصَفُ بالكبرِ)، كما قال علينا من ذكره السلام في تحف العقول: (كلُّ موجودٍ في الخَلْقِ لا يُوجَدُ في ذَاتِ خَالِقِهِ)، وهذا ما عبَّرَ عند السـيد أبو شعيب (ع) بقوله: (كلُّ ما دَلَّ اللهُ به الخَلقَ على نفسهِ وأراهُم مثالَهُ فَمِثَالُهُ غُيرُهُ)، فهي دليلٌ وجوديٌّ عليه.
    وهو الإخلاصُ في قول السـيد أبي شعيب (ع): (إخلاصُ التوحيدِ وإخلاصُ الإيمانِ معرفةُ اللهِ من محمد، ثم معرفةُ محمد وَمَنزِلَتُهُ من باريهِ). وعلى هذا فالدليلُ كما ذكره أمير المؤمنين علينا من ذكره السلام بقوله في نهج البلاغة: (فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ ودَلِيلاً عَلَيْهِ).
    كما نهلَ السيدُ أبو شعيب (ع) من سلسال التنزيهِ الذي رواهُ عن الإمامِ الصادقِ (ع): (مَن زَعَمَ أنَّ اللهَ يسمعُ ببعضٍ دونَ بعضٍ أو يَرَى ببعضٍ دونَ بعضٍ فقد كَفَرَ)، حيث قال أبو شعيب (ع): (مَن زَعَمَ إنَّما رأى بعضَ اللهِ فقد بَعَّضَ اللهَ، وَمَن قالَ أنه ظَهَرَ بكلِّيَّتِهِ وَبِذَاتِهِ على أنه بَدَنٌ فقد شَبَّهه وَحَدَّهُ وَوَصَفَهُ...)، فذاتُ المُثُلِ لا يقعُ عليها التَّبعيضُ لقولِ أمير المؤمنين علينا من ذكره السلام في نهج البلاغة: (ولا تَنَالُهُ التَّجْزِئَةُ والتَّبْعِيضُ)، لأنَّ في التبعيضِ عُدُولاً عن الحقِّ لقوله علينا من ذكره السلام في تحف العقول: (مَن بعّضَه فقد عَدَلَ عنه)، والعدولُ لا يجوزُ لقوله علينا من ذكره السلام في نهج البلاغة: (أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشـي‏ءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ، والْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ).
    ولا يقعُ عليها التحديدُ لقول أمير المؤمنين علينا من ذكره السلام في تحف العقول: (لا يَتَحَدَّدُ بِتَحدِيدِ المَحدُودِ، وَمَنْ وَصَفَهُ فَقَد أَلْحَدَ فيهِ)، وقوله في نهج البلاغة: (لم تُحِطْ به الأوهامُ، بل تجلَّى لها بها، وبها امتَنَعَ منها)، وقوله شعرًا:
    العجزُ عن دركِ الإدراكِ إدراكُ
    والبحثُ عن سِرِّ ذاتِ السِّرِّ إشراكُ

    فالإلهُ عزَّ شأنُهُ لا يَليقُ به شـيءٌ من الصفاتِ المعقولةِ ولا المحسوسةِ لذلك قال أبو شعيب (ع) في قوله: (كلُّ مدروكٍ بحاسَّةٍ من الحواسِّ محدودٌ).
    وذاتُ المُثُلِ لا يقعُ عليها الحصـر والإحصاءُ والجمعُ، أي لا يَحصـرها عددٌ ولايحيطُ بها كونٌ، فالحصـر والإضافةُ يقعانِ على الممثولاتِ وما يُقابِلُها من تَمَثُّلاتٍ لا عَلَى ذاتِ المُثُلِ لقولِ السـيدِ أبو شعيب (ع): (كَذَبَ مَن زَعَمَ أنَّ اللهَ في شـيءٍ أو من شـيءٍ أو على شـيءٍ).
    وكذلكَ يقول السيدُ أبو شعيب (ع): (فَمَنَ زعمَ أنَّ اللهَ في شـيءٍ فقد زَعَمَ أنه محصورٌ)، مُقتَدِيًا بقول أمير المؤمنين علينا من ذكره السلام في نهج البلاغة: (لا يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ ولا يَحْوِيهِ مَكَانٌ)، إذ روى السـيد أبو شعيب (ع) عن الإمام الصادق (ع) قوله: (كانَ اللهُ ولا مكانَ ثم خلقَ المكانَ فَفَوَّضَ إليه الأمرَ).
    ولا يمكنُ أن يكونَ الباري محمولاً لقولِ السـيد أبي شعيب (ع): (وَمَنَ زَعَمَ أنه على شـيءٍ فَقَدَ زَعَمَ أنَّهُ محمولٌ، وَمَنْ زَعَمَ أنَّهُ من شـيءٍ فقد زَعَمَ أنه مُحْدَثٌ)، وذلك تمثُّلاً بقول أمير المؤمنين علينا من ذكره السلام في نهج البلاغةِ: (لا يُقَالُ لَهُ حَدٌّ ولا نِهَايَةٌ ولا انْقِطَاعٌ ولا غَايَةٌ، ولا أَنَّ الأشـياءَ تَحْوِيهِ فَتُقِلَّهُ أَوْ تُهْوِيَهُ، أَوْ أَنَّ شـيئاً يَحْمِلُهُ فَيُمِيلَهُ أَوْ يُعَدِّلَهُ).
    كما يعلِّمُنا السيدُ أبو شعيب (ع) بقوله: (لا حَالَ ولا زَالَ ولا يَجري عليهِ الحِرَاكُ), فالحيلولةُ والزَّوالُ والانتقالُ بين الأحوالِ من صِفَاتِ الوجودِ، وهو كما قال أمير المؤمنين علينا من ذكره السلام في نهج البلاغة: (لا يُقَالُ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَتَجْرِيَ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ الْمُحْدَثَاتُ، ولا يَكُونُ بَيْنَهَا وبَيْنَهُ فَصْلٌ ولا لَهُ عَلَيْهَا فَضْلٌ).
    هذه الأسماءُ والصفاتُ والأفعالُ والأمثالُ في فلسفةِ الأئمَّةِ (ع) تخصُّ إثباتَ الوجودِ لقولِ الإمام الرضا (ع) في تحف العقول: (والأسماءُ والصِّفاتُ كلُّها تَدُلُّ على الكمالِ والوجودِ ولا تَدُلُّ على الإحاطةِ)، وهو ما أشارَ إليه السـيد أبو شعيب (ع) دائمًا في تعاليمه بأنَّ ذاتَ المُثُلِ لمْ تدخلْ في العددِ والكونِ لقول أمير المؤمنين علينا من ذكره السلام: (لَيْسَ فِي الأشـياءِ بِوَالِجٍ ولا عَنْهَا بِخَارِجٍ)، أي أنَّها لا تَتَجَزَّأُ ولا يَعتريها النَّقصُ، بل موقعُ ذلكَ بغيرِها، فهي كالجوهرِ الأصمِّ، لا شـرقيَّةٌ ولا غربيَّةٌ، أمَّا اتِّصالُها فَبَعدَ وجودِ الممثولاتِ من غيرِ حلولٍ أو ممازجَةٍ، عندئذٍ تقعُ التَّسميةُ والوصفُ لقوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطـيفُ الْخَبِيرُ).
    وقد نَزَّهَ السـيد أبو شعيب (ع) ذاتَ الباري سبحانه وتعالى عن الحدِّ بقوله: (وَصَفَ نفسَهُ غيرَ مَحدودٍ)، متمثِّلاً قولَ أمير المؤمنين علينا من ذكره السلام في نهج البلاغة: (مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، ومَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، ومَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ)، ومتمسِّكًا بدعاءِ الإمام السَّجَّاد (ع): (إلهي لولا الواجبُ من قبولِ أمرِكَ لنزَّهتُكَ مِن ذكـري لك، على أنَّ ذكري لك بِقَدْرِي لا بِقَدْرِكَ، وإنَّه من أعظمِ النِّعمِ علينا جَرَيانُ ذكركَ على ألسِنَتِنا)، كما قال السـيد أبو شعيب (ع): (واللهُ غيرُ أسمائِهِ وصفاتِهِ، وكلُّ اسمٍ ما خَلا اللهَ، أو صفةٍ... أو شـيءٍ يقع عليه اسمٌ فهو مخلوقٌ)، فهذا يَتَوافَقُ تمامًا مع قول الإمام الرضا (ع) في تحف العقول: (وكلُّ ما وَقَعَ عليه اسمُ شـي‏ءٍ فهو خَلْقٌ)، ولا يجوزُ أن يُقالَ للهِ شـيءٌ إلا من ناحيةِ الإثباتِ فقط إذْ سـئلَ الإمام الجواد (ع): أيجوز أن يقالَ للهِ أنه شـيءٌ؟ فقال (ع): (نعم، تُخْرِجُهُ عن الحَدَّينِ، حَدِّ الإبطالِ وَحَدِّ التَّشبيهِ).
    فقبولُ الذِّكرِ للهِ أن نثبتَ وجودَ الحقِّ في السَّمواتِ والأرضِ ثمَّ ننفيَ عن ذاتِ الحقِّ سبحانه وتعالى الشـريكَ والنظيرَ والضدَّ والنِّدَّ، لقوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ)، لأنَّ وجودَ الشـريكَ أو النَّظيرِ ينفي الأحديَّةَ التي أشارَ إليها قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ).
    فالمثلُ الأعلى هو سريانُ الهويةِ الإلهيةِ على مثالِ الممثولاتِ الشَّفعيةِ، ولذلك قال تعالى عن الممثولاتِ: (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)، فالثُّنائياتُ المتقابلاتُ الهالكةُ هي جواهرُ وأعراضُ المثلِ الأعلى لا ذاتُهُ، لقوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ).
    والهويةُ الإلهيةُ لها خصوصُ عدمِ الافتقارِ والاحتياجِ، أي ليسَ الوترُ عين الشَّفعِ، لأنَّ الهويةَ الإلهيةَ الأحديةَ لا يماثِلُها شيءٌ ولا يُشبِهُها شيءٌ، إذ أنَّ الأحديَّةَ خاصَّةٌ للهويةِ، ولهذا جاءَ الأحدُ مع كلامِ التنزيهِ في سورةِ الإخلاصِ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فالهويةُ لا تتغيَّرُ ولا تتكثَّرُ، وما يُرى هو مَجلى الهويَّةِ لا الهويَّةُ.
    وحكمةُ اللهِ هي أن تلوحَ المُثُلُ ويُجلَى للعيونِ المنزَّهُ المستورُ، وهذا ليسَ اتحادًا أو حلولاً أو غلوًّا، فالمثالُ الأولُ تتجلَّى له مرآةُ المُثُلِ- مرآةُ الوجودِ- وليسَ في ذاتِ المُثُلِ من المثالِ الأولِ شيءٌ، أي ليسَ في الأمر حلولٌ بدليلِ أنَّ السيدَ أبا شعيب (ع) يؤكِّدُ أنَّ مجمعَ البحرين يلتقيانِ ولا يمتزجانِ، وأنَّ مقامَ الـ(هُوَ) هو مقامُ الجمعِ.
    فعلمُ الـ(هوَ) علمٌ وهبيٌّ عند السيد أبي شعيب (ع) لا يحصلُ بالاكتسابِ، إنَّما علمُ الجودِ الإلهيِّ والاصطفاءِ والإلهامِ من اللهِ لسبيلِ الهدى أبي شعيب (ع).
    وما هذا إلا قبسٌ قليلٌ من علومِ النصـيريةِ الفلسفيةِ التي تحتوي لآلئَ نادرةً من كلماتِ السـيد أبي شعيب (ع) جمعناها لتكونَ منارةً للناسِ ودليلاً لهم، لأنَّها خلاصةُ بعضِ ما وضعَهُ النُّصـيري (ع) موضعَ التنفيذِ، وأدركَهُ غايةَ الإدراكِ باعتبارِهِ حاملَ لواءِ الخلاصِ، وموقعَ القبسِ الرسوليِّ، والوارثَ الشـرعيَّ الوحيدِ للعلمِ المعصومِ من الإمام الحسنِ العسكري (ع).

    * كتاب تحف العقول عن آل الرسول (ص)
    تأليف: الشيخ الثقة الجليل الأقدم أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني.

    نهج السـيد أبي شعيب (ع)
    أكَّدَتْ جميعُ الأخبارِ النَّبويةِ والأدلَّةِ اليقينيَّةِ أن السـيد أبا شُعيب محمد بن نصـير النُّميري (ع) كان الحجَّةَ الحقَّ للإمامِ الحسنِ العسكريِّ (ع) وكان السَّبيلَ الهادي وصاحبَ العلمِ المتدفِّقِ من ذاكَ البحرِ المتربِّعِ على الكرسـي الشَّامخِ، فالنَّهجُ النصيريُّ مستمدٌّ من الأئمةِ الطَّاهرين.
    وقد ذكرَ السـيد الحسـين بن حمدان الخصـيبي (ع) في الهداية الكبرى: حدَّثني محمد بن صالح عن علي بن حسان قال: دخلت على سـيدي أبي الحسن صاحب العسكر (ع) فقلت له: جُعِلتُ فِداكَ عمَّن آخذُ معالمَ ديني، وبِمَن أهتدي إلى طـريقِ الحقِّ؟ فقال الإمام (ع): (تأخذُ معالمَ دينِكَ ممَّنْ ترميهِ النَّاصبةُ بالرَّفضِ، وترميهِ المقصـرةُ من الشـيعةِ بالغلوِّ، وترميهِ الغاليةُ بالكُفرِ، وهو عند المرتفعةِ محسودٌ، فاطلبهُ فإنَّكَ تجدُ عندَهُ ما تريدُ من معالمِ دينِكَ، فالحقُّ هناك). فقلتُ: فما وجدتُ هذه الصِّفةَ بغيرِ سـيدنا أبي شعيبٍ محمد بن نصـير (ع)، فعلمتُ أنَّ الإشارةَ إليهِ، فاتَّبّعتُهُ، فَهُديتُ للحقِّ.
    هنا لابدَّ من وقفةٍ على حقيقةِ الاتِّهاماتِ للرَّدِّ عليها لأنَّها تُهَمٌ رخيصةٌ لم تُوزَنْ بميزانٍ عادلٍ، وإنما هي مُلَفَّقَةٌ من أحقادٍ حَادَتْ بأصحابِها عن الطـريقِ القويمِ.. أحقادِ الحاسدينَ الذين يميلونَ إلى الحطامِ ويرتكبونَ الآثامَ وكبائرَ الإجرامِ في كيلِ التُّهمِ بأشكالٍ مختلفةٍ في مجالاتٍ عديدةٍ للسيدِ العظيمِ أبي شعيب (ع).
    لقد ركَّزوا بالخصوصِ على اتِّهامِهِ بالغلوِّ، وهو من الغلوِّ براءٌ، ونَسَبوا إليهِ خرافاتٍ تَأبَاها عقولُ المبتدئينَ في العلمِ!!! وسنبدأ بالرَّدِّ على جميعِ هذه الافتراءاتِ المحضَةِ.
    لمَّا ثبتَ أنَّ المنخنقةَ الغارقةَ لهم طـريقُ الغلوِّ وأساسُهُ، فإنَّ العلويين النصـيريِّين أبعدُ فئاتِ الإسلامِ عن الغلوِّ، ويمكنُ الجزمُ أنَّ سببَ كلِّ الافتراءاتِ من خصومِ السـيد أبي شعيب (ع) عائدةٌ إلى ردِّهِ عليهم عندما حَذَّرَ (ع) من الغلوِّ في قوله: (لقد قَرَنَ اللهُ سبحانَهُ هذهِ الأسماءَ بِنَفسِهِ ولم يَقرنْها بِغيرِهِ فقال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ، وقال تعالى: وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ)، فالسـيد أبو شعيب (ع) كان من أشدِّ المجاهدينَ للمُغَالين الذين حذَّرَ منهم وذمَّهم الإمام علي علينا من ذكره السلام بقوله: (إيَّاكم والغلو فإنِّي بريءٌ من الغالين).
    والسـيدُ أبو شعيب (ع) لا يَجعلُ العقلَ والدِّينَ يصطدِمانِ، فالعقلُ والدِّينُ مظهرانِ لحقيقةٍ واحدةٍ, وكُلُّ ما حَكَمَ بِهِ العقلُ فقد حكَمَ بِهِ الدِّينُ والعَكسُ صحيحٌ, لقول الصَّادق (ع): (مَن كانَ لَهُ عقلٌ كانَ له دِينٌ, وَمَن كانَ لَهُ دينٌ دَخَلَ الجَنَّة), فالســــيدُ أبو شــــعيب (ع) يَتَساءَلُ: هل يقبلُ العقلُ والدِّينُ بكاءَ البعضِ على ...؟ أو هل يَقبل العقلُ والدِّينُ النَّدمَ على الإمامِ؟ وكيفَ تكونُ النارُ بردًا وسلامًا على إبراهيمَ صاحب البدنِ البشري حسب زعمهم؟!!
    إنَّ تنزيهَ أبي شعيب (ع) للأئمةِ (ع) عن الخطأ والنسـيانِ والضعفِ والعجزِ هو الذي دعا خصومَهُ من الخَلْقِ المنكوسِ إلى اتهامِهِ بالغلوِّ!! فإذا كان خصومُهُ يجيزونَ القتلَ للأئمَّةِ فالسـيدُ أبو شعيب (ع) لا يجيزُ ذلكَ، لأنَّ ذلكَ يتنافى مع العقلِ والدِّينِ، وهو لا يقبلُ من خصومِهِ بُكاءَهُم!! أو النَّدمَ على إمامِهم!! بل يستندُ لقوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ)، وقول الصادق (ع) حين سـئلَ: الإمامُ يموتُ؟ فقالَ (ع): (المؤمنُ لا يموتُ، والإيمانُ لا يموتُ، فكيفَ يموتُ الإمامُ؟!!)، ففي هذا القولِ ردٌّ كافٍ على مَن خالفَ مبدأ الحقِّ.
    وقد أثبتَ السيد أبو شعيب (ع) لخصــومهِ أنَّ الإمام الحســين (ع) رفعَهُ اللهُ إليه كما رفعَ عيسـى (ع) إليه بالحجةِ الواضحةِ البيِّنةِ. أمَّا خصومُهُ فاقتدوا بأسلافهم المنكرينَ لرفعِ عيســـى (ع) إلى اللهِ، ولم يقبلوا برفعِ الحســين (ع) إليه.
    إنَّ هؤلاء الخصومَ وَقَعوا في غُلُوٍّ وتقصـيرٍ, فالغُلُوُّ هو الإفراطُ وجعلُ الأئمَّةِ كالحُسـين (ع) حقيقةً للإله من جهةٍ، والتَّقصـيرُ وهو التَّفريطُ فيهِ وإنزالُهُ عن مرتبتِهِ بما قالوه عنهُ في كربلاء من جهةٍ أخرى, وهم بغلوِّهم وتقصـيرهم هذا ناصَبوا السيد أبا شعيب (ع) العداءَ.
    ولا بدَّ من التنويهِ إلى أنَّه لا يوجدُ فَرقٌ جوهريٌّ بين هؤلاءِ الفِرَقِ المتردِّيَةِ المغاليَةِ, وبين البعضِ من الذين وَصَلُوا بِظَنِّ عقولِهِم وزَعمِ حواسِّهم إلى أنَّ للباري ماهِيَّةً ولكن لا تُدرك, وهؤلاء انطبقَ عليهم قولَهُ تعالى: (إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شـيئًا), فمهما تَعَدَّدَتِ الطـرق وتنوعَت سواءَ كانت حسـيةً ماديَّةً أو معنويَّةً عقليَّةً, فإنَّها جسورٌ ومعابرُ للاستدلالِ فقط لقولِ أمير المؤمنين علينا من ذكره السلام: (كَذبَ العادلونَ بِكَ إذ شَبَّهوكَ بأصنامِهم, ونَحَلوكَ حليةَ المخلوقين بأوهَامِهم).
    وليسَ كما زَعَمَ البعضُ أنَّ الغلوَّ هو إعطاءُ المخلوقِ صفةَ الخالقِ، بدليلِ أنَّهُ إذا قيلَ للإنسـان الـمخلوقِ (رحيم)، وللهِ (رحيم) فهل هذا غلو؟ بالتأكيدِ لا.
    فالتَّعريفُ الصَّحيحُ للغلوِّ هو رفعُ المخلوقِ وجعلُهُ ذاتًا للخالقِ، وهو القولُ بأنَّ الخالقَ عينُ المخلوقِ والرَّبَّ عينُ المربوبِ والكلَّ واحدٌ، والسَّيدُ أبو شعيب (ع) من الغلوِّ براءٌ.....
     

    علوم السـيد أبي شعيب القرآنية
    الحديثُ عن علومِ السـيد أبي شعيب (ع) حديثٌ عن عَلَمٍ خفَّاقٍ بين الأعلامٍ، ومهما ذكرنا من تعدُّدِ علومِهِ فإنَّنا نعجزُ عن حصـر مناقِبِهِ، لأنَّه مدرسةٌ في إهابِ مرجعٍ، وأمَّةُ كلِّ فردٍ، والمرجعُ لكلِّ سائلٍ، والمعينُ لكل متعثِّرٍ.
    وبعدَ أن استعرضنا فلسفةَ السـيد أبي شعيب (ع) كلوحةٍ للحياةِ الصُّوريَّةِ المشـرقةِ من القرآنِ، والتي تنيرُ الأرجاءَ وترخي الأضواءَ على عظيمٍ من عظماءِ الفكر الفلسفي التَّوحيدي المعصومِ، سنتحدَّثُ عن عبقريٍّ من عباقرةِ الأصولِ الرَّبانيَّةِ والتفسـيراتِ العرفانيَّةِ القرآنيَّةِ.
    وها نحنُ نعرضُ باختصارٍ بعضَ علومِ أبي شعيب (ع) في القرآنِ الطَّافحةِ بالمجدِ والعِبْراتِ والعِظَاتِ لتكونَ آخذةً كل ذي روحٍ نقيٍّ وقولٍ رضـي وخلقٍ نبويٍّ إلى الطـريقِ السَّويِّ.

    أولاً- العصمة:
    العصمةُ عند السـيد أبي شعيب (ع) مرتبطةٌ بالأحكامِ الحقيقيةِ للأنبياءِ والأئمَّةِ، والعصمَةُ لَها الدَّليلُ في قولُهُ تعالى على لسانِ ســـيدنا محمد (ص): (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشـر مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ), فالقول: (أنا بشـر) إشارة إلى المماثلةِ كصورِ البَشـر فقط لذلك قال: (مثلكم) ولم يقل: (منكم), والقول: (يوحى إليِّ) إشارةٌ إلى المبايَنةِ عن البشـريَّةِ وإلى نفي الألوهيَّةِ عن نفسِهِ، وليس كما قال بعضُ المفسدين أنَّ: (أهلُ البيتِ عندَهم بشـر مميَّزونَ معصومون).
    فقد اعتقدَ خصومُ السيد أبي شعيب (ع) أنَّ المعصومَ بشـرٌ يمكنُ أن يحسَّ بما يحسُّ به البشـرُ، فمن أقوالهم أنَّ النبيَّ كان بشـرًا مثلَ بقيَّةِ البشـرِ، يعاني ما يعانيهِ البشـرُ، ويتألَّمُ لما يتألَّمُ منه البشـرُ، فوصلوا إلى نتيجةِ أنَّ للأنبياءِ نفس الخصائصِ الجسميةِ للبشـرِ، ولكنَّ الاختلافَ فقط بالروحيَّةِ والأخلاقيةِ، والغريبُ قولهم أنَّ الأئمةَ لهم دماءٌ ولكنَّها زكيَّةٌ طاهرةٌ لا تشابهُ دماءَ البشـرِ!! وأنَّ الأنبياءَ والأئمةَ والرُّسلَ يعيشونَ نقاطَ الضَّعفِ البشـريِّ!! وأنَّ هناكَ نقصًا تكوينيًّا في الشخصيَّةِ النبويَّةِ!!
    والسؤالُ الذي طَرَحَهُ أبو شعيب (ع) على خصومه: كيف تمَّ عندكم الربطُ بين بشرية الأنبياء والأئمة وعصمَتهم؟
    لقد أثبتَ هؤلاء على آدم المعصية والعصمة في وقتٍ واحدٍ عندما زعموا أنه عصـى ربَّهُ ولكنَّ معصيتَهُ إرشاديَّةٌ لا قانونيةٌ، فما هذا التفسيرُ لهؤلاء المختومِ على أبصارِهم؟
    كيف زعموا أنَّ آدمَ لم يكن نبيًّا في المقامِ، إنَّما كُلِّفَ بالنبوةِ بعد ذلك؟! وهل يُقبَلُ تفسيرُهم لقولهِ تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى) أنَّ الرَّسولَ قبل إرسالهِ كانَ كافرًا وضالاَّ؟!
    وكيف زعموا أنَّ عصمةَ السيدة زينب ليست عصمةً لازمةً أو واجبةً، وأنها تنطلقُ فقط من الجانب التربوي الذي عاشَتهُ السيدة زينب وهي طفلةٌ عندما قالوا أنَّ عصمَتها ليست عصمة ملزمة واجبةً لأنَّ لا دخلَ لها في الجانبِ الذي كُلِّفَ به الأئمة (ع)؟!
    إنَّ هؤلاء هم خصومُ السيد أبي شعيب (ع) الذين زَعَموا أنَّ التطهيرَ بمعناهُ في الآيةِ القرآنيَّةِ مجزَّأٌ، أي محصورٌ فقط بالذنوبِ والقولِ الباطلِ والخطأ، وأثبتوا عدمَ التطهيرِ من أمورٍ بشـريَّةٍ أخرى، ولكنَّ السيد أبا شعيب (ع) رفضَ أن تكونَ المخالفةُ والمعصيةُ لائقةً بالأنبياءِ والأئمةِ والرُّسلِ وعائدةً عليهم، وأثبتَ العصـــمةَ المطلقةَ لأنَّ الرِّجـــــسَ لا ينحصـرُ في معنى واحدٍ فقط، فالعقيدةُ التي دعا إليها السـيد أبو شعيب (ع) في الأنبياءِ والأئمَّةِ والرُّسُلِ (ع) هي أنَّهُم معصومون مُطَهَّرونَ تطهيرًا لقولهِ تَعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا).


    ثانيًا- الدعوة إلى التوحيد الخالص:
    كانَ السـيد أبو شعيب (ع) في مجالِ العقيدةِ يعتبرُ معرفةَ التَّوحيدِ أسمى المعارفِ، ويحضُّ على معرفتِهِ كَرُكنٍ من أركانِ العقيدةِ، فيقولُ إنَّ لدينِ اللهِ حقائق لا تقفُ عند حركاتِ العباداتِ فقط، ولعلَّ الذي حملَ السَّيدَ أبا شعيب (ع) إلى التركيزِ على العقيدةِ كمنطلقٍ للدَّعوةِ وغايةٍ هو الأجواءُ السَّائدةُ التي حاوَلَتْ تلويثَ البيئةِ العقائديةِ للأئمَّةِ المعصومين (ع) بظهورِ اتِّجاهاتِ الشـِّركِ والتَّعطـيلِ.
    فما مَيَّزَ توحيدَ السـيد أبي شعيب (ع) أنَّهُ لم يأخذْ فكرةَ شكليَّةِ الأمورِ، ولم يقفْ عند حدِّ العبارةِ فقط، بل سارَ إلى ما وراءِ ذلكَ، وأزاحَ السِّتارَ ببيانٍ ساطعٍ وبرهانٍ قاطعٍ، فلم يكنِ ما نطقَ به السـيد أبو شعيب (ع) من التوحيدِ إلا مستوحًى من توحيدِ الإمام علي علينا من ذكره السلام والأئمةِ الأطهار (ع)، فكانَ في ميدانِ حمايةِ العقيدةِ الإسلاميَّةِ وتحصـينِ الأمةِ.
    والكلامُ عن توحيدِ السـيد أبي شعيب (ع) ميدانٌ واسعٌ ذو تشعباتٍ كثيرةٍ تستحقُّ البحثَ، وخاصَّةً مناظـراتُهُ مع خصومِهِ من أصحابِ التَّعطيلِ، لإظهارِ الرَّابطِ الوثيقِ بين الواجدِ والموجودِ، فالسـيد أبو شعيب (ع) رفضَ الحلولَ والشـركَ الذي قاله خصومُهُ المغضوبُ عليهم، فقال السيد أبو شعيب (ع) ردًّا عليهم: (ليس جائزًا بالعلمِ، ولا يليقُ بمذهبِ الحقِّ الزَّيغُ والنِّفاقُ والارتيابُ والفتوى في علمِ اللهِ وتوحيدُهُ بالرأي والقياسِ).
    فمن هؤلاء الخصومِ المنحرفين المعروفين إسـحاق النَّخعيَّ الذي غلبَتْ عليه الشقوةُ وتَبِعَهُ أبو ذهيبةَ وغيرُهُ المُسْتَحِقِّ للسُّخطِ والغرقِ في الضَّلالَةِ، فإسحاقُ كانَ يفتي بغيرِ علمٍ، ويستعملُ القياسَ في تفسـيرِ الآياتِ القرآنيَّةِ تفسـيرًا سطحيًّا، وقد ردَّ عليه وصحَّحَ لهُ السـيد أبو شعيب (ع) مرارًا وتكرارًا بحضورِ الإمامِ الحسنِ العسكريِّ (ع).
    وقال له الإمامُ الحسن (ع) يومًا: يا إسحاق هل لك أن تختار؟ قال إسحاق: يا مولاي، ولكنَّ اللهَ يختارُ. فقال الإمامُ (ع) وقد نظـر إلى أبي شعيب (ع): (يا أبا شعيب، مَنْزِلَتُكَ منَّا مَنزلةُ سلمانَ من رسولِ اللهِ (ع). يا إسحاق مَن أنكرَ حجَّةَ أبي شعيب فقد أنكرَ حقًّا من حقوقِ اللهِ، وقــد فَضَّلْنا أبا شعيب. يا إسحاق، لا تَحسدْ مَن فَضَّلَهُ اللهُ). وقرأ قوله تعالى: (ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).
    وعندما اختبرَ أبو شعيب (ع) إسحاقَ النَّخعيَّ سألَهُ: (لأيَّةِ علَّةٍ تكتبُ: بسم الله الرحمن الرحيم؟)، قال النَّخعيُّ: هكذا وجدناها في المصحفِ مكتوبةً وكلُّها واحدةٌ!!؟ فكانَ جوابُ أبي شعيب (ع): (إنَّا لسنا نسمِّي العالمَ عالمًا إلا أن يعلمَ... فلا تأتِ أيُّها النَّخعيُّ ولا تروِ شـيئًا لا تدريهِ ولا سَمِعتَهُ من الإمام الحسن).
    وقد ذَمَّ الإمامُ العسكريُّ (ع) إسحاقَ النَّخعي لأنَّه كان يحسدُ أبا شعيب (ع)، وقال عنه الإمام العسكري (ع): (إنَّ إسحاقَ يكذبُ علينا ويقولُ عنَّا ما لم نَقُلْ فلا تُدِنْ للهِ بما يفتيكَ به).
    حيث كان إسحاقُ بفتواهُ يشـركُ ذاتَ الخالقِ بأولِ المخلوقاتِ، فجعلَ للهِ نِدًّا بقوله الضَّالِّ: (الخالقُ ظهرَ بالمخلوقِ فكانَ المخلوقُ الخالقَ وصارَ الخالقُ مخلوقًا)، فكان إسحاقُ لا يُمَيِّزُ بين الخالقِ والمخلوقِ، ونفى الحكمةَ عندما جعلَ المعروفَ غيرَ اللهِ والمعبودَ سواهُ، فلم يفهمِ الفرقَ بين عدمِ الإدراكِ وعدمِ الوجودِ، وقد صَحَّحَ له السـيد أبو شعيب (ع) وردَّ عليه بقوله: (اعلم يا إسحاق أنَّ الأحدَ لا ينثني في قسمةٍ ولا ينحصـر في عددٍ كما وصفَ نفسه فقال: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فالأحدُ اخترعَ واحدًا وجعلَهُ أصلَ العدد).
     

    Basem76

    عدد المساهمات : 4
    تاريخ التسجيل : 19/01/2011

    رد: كتاب العقبة... دراسة شاملة في فكر الحجة الأعلى والقدوة الأجلى السيد محمد بن نصير النميري (( أبو شعيب ))

    مُساهمة  Basem76 في 1/2/2011, 1:50 pm

    القسم الثالث والأخير من الكتاب...

    مكانة السيد أبي شعيب (ع)
    إنَّ مكانةَ السيدِ أبي شعيب (ع) معروفةٌ، فالذي يقلِّلُ منها كانَ الحقُّ بريئًا منه، فمكانتُهُ أعظمُ من كلِّ هذه الدعاياتِ، والصِّلةُ التي تربطهُ بالإمام العسكري (ع) أكبرُ دليلٍ لإجهاضِ تزييفِ أقوالِ خصومِهِ الذين انصـرفوا وتناقشوا وتحادوا واختلفوا، لذا فإنَّ المُسـيءَ لأبي شعيب (ع) مُسـيءٌ لإمامِهِ الحسن العسكري (ع)، وتابعٌ بذلكَ للذينَ ناصبوا العداءَ للأئمة (ع)...!
    وهذا ما أكَّدَهُ الإمامُ العسكريُّ (ع) عبرَ السلوكِ والقولِ والتوجيهِ والإرشادِ في أخبارِهِ ورواياتِهِ الصادقةِ ومنها ما جاءَ في الخبرِ الصَّحيحِ أنَّ جماعةً اجتمعوا إلى الإمام الحسن العسكري (ع) ليسألوهُ عن الحجةِ من بعدِهِ، وفي المجلسِ أربعونَ رجلاً، فقامَ إليه عثمان بن سعيد العمري وقال له: يا ابن رسول الله أريدُ أن أسألَكَ عن أمرٍ أنتَ أعلمُ به منَّا؟! فقال (ع): اجلس يا عثمان. فقامَ مُغضِبًا ليخرجَ، فقال له (ع): لا يخرجَنَّ أحدٌ. فلم يخرج منهم أحدٌ إلى أن قال (ع): أأخبركُمُ بما جئتُم؟ قالوا: نعم يا ابن رسول الله. فقال (ع): جئتُم تسألوني عن الحجَّةِ من بعدي. قالوا: نعم. فإذا بأبي شعيب (ع) قادمٌ، فقال الإمام (ع): (هذا إمامُكم من بَعدي وخليفتي عليكم، أطـيعُوهُ ولا تَتَفرَّقوا مِن بَعدي فَتَهلَكوا في أديانِكم، فاقبَلوا من أبي شعيبَ ما يَقولُهُ، وانتَهوا إلى أمرِهِ، واقبَلوا قولَهُ فهو خليفةُ إمامِكم والأمرُ إليه).
    وأكَّدَ السـيد الخصـيبي (ع) في الهداية الكبرى على علوِّ مرتبتِهِ من خلالِ ما أورَدَهُ في روايَتِهِ قائلاً: (حدَّثَني أبو جعفر محمد بن الحسن، قال: اجتمعْتُ عند أبي شعيب محمد بن نصـير النميري وكان حجَّةً للإمامِ الحسن العسكريِّ وبعدَهُ رأى الإمام محمدًا (ع) من بعدِ عمر بن الفرات، وكان معنا محمد بن جندب وعلي بن أم الرقاد وفادويه الكردي ومحمد بن عمر الكاتب... إلى آخر الخبر)، وهؤلاء الثِّقاتُ من أركانِ النُّصـيري وهم محمَّد بن جندب, وفادويه الكردي, وعلي بن أم الرَّقَّاد, وإسحاق بن عمَّار الكوفي, وأحمد بن محمَّد بن الفرات الكوفي الكاتب عليهم السلام أجمعين، اتَّبعوا المنهجَ النصـيري الرسالي ومدرستَهُ الرائدةَ لأنها امتدادٌ متكاملٌ لمدرسةِ الأئمةِ من أهلِ البيتِ بكافةِ الصورِ والوسائلِ، فكانوا من أعلامِ الحقِّ وألسنةِ الصِّدقِ.
    وجاءَ في رواية أحمد الكوفي الكاتب، وكان من المقرَّبينَ للحسن العسكري (ع) قال: دخلتُ على الإمامِ الحسن العسكري (ع) فقلتُ: يا سـيدي، أنا أغيبُ وأشهدُ ولا يتهيَّأ لي الوصولُ إليكَ إذا شهدْتُ في كلِّ وقتٍ، فَقَولَ مَن نقبلُ؟ وأمرَ مَن نمتَثِلُ؟ فقال لي (ع): (هذا أبو شعيب الثِّقةُ الأمينُ، ما قالَهُ لكم فَعَنِّي يقولُهُ، وَمَا أدَّاهُ إليكم فَعَنِّي يُؤدِّيه).
    كما أوردَ السـيد الحسـين بن حمدان الخصـيبي (ع) في الهداية الكبرى (النسخة المخطوطة) عن علي بن عبد الغفار أنــه قال: كَثُرَ القولُ في محمد بن نصـــيــر، فـكــتـبْتُ إلـى الإمام الحســــن العســكري (ع): يـــا ســيدي، إنَّ محمد بن نصـير يــقـولُ فيكمُ العظائمَ وَأنَّكم أربابٌ، فعرِّفني يا ســــيدي ما عندَكَ في ذلك لأعملَ فيهِ. فوقَّعَ إليَّ (ع): (نحنُ أعلمُ بما يقولونَ، وما أنتَ عليهم بجبَّارٍ، واللهِ ما قالَ لهم إلا أنَّا ربَّانيُّونَ لا أربابًا من دونِ الله، كيف يقولُ محمد بن نصـير هذا وهو حجَّتي في الهدى كما كان سلمان حجَّةَ أمير المؤمنين؟)، فأقررتُ عند ورودِ التوقيعِ، واقتديتُ به فَهُديتُ، ورأيتُ منه ما رأيتُ من عمر بن الفرات الكاتب (ع) حذو النَّعلِ بالنَّعلِ.
    فَسيدُنا أبو شعيبٍ (ع) صَحِبَ الإمامَ العاشر علي الهادي (ع) (285هـ)، وكانَ مقرَّبًا عند الإمام الحادي عشر الحسن العسكري (ع)، وهو الذي سمعَ من الإمامينِ كلامَ الحقِّ، وشاهدَ أنوارَ الجمالِ، فكانَ استمرارًا لرسالةِ الأنبياءِ والأئمةِ (ع)، وبُعِثَ لإقامةِ الحدودِ، وتقديمِ الحقِّ للإنسانيَّةِ لتبلُغَ الكمالَ الإمكانيَّ في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ)، ومن كانت طاعَتُهُ واجبةً لا يكونُ إلا معصومًا، لا يطـرأ عليه السَّهو والنِّسـيانُ ولا يَجري عليه ما يَجري على بني الإنسان، وَصَحَّ القولُ أنَّه كان يعلمُ ما وراءَ الجدارِ وإلاَّ لَمَا وضعَهُ الإمامُ العسكريُّ حجَّةً له على الخلقِ وقال عنه: (أبو شعيب حجَّتي فلعنَ اللهُ مَن أنكرَ مقامَهُ وجحدَ حجَّتَهُ).
     

    زمن الغيبة
    لقد كانت مَتَانةُ ونَزاهةُ وَمَنزلةُ السـيد أبي شعيب (ع) أسمى من انصـرافِ المنصـرفينَ للخلافِ على الدنيا وغيرها، فقد كانت مدرستُهُ مستقلَّةً في مسـيرتها الفكريةِ، لأنه كانَ مشغولاً بالسُّموِّ العقائديِّ لنهجِ الإمامِ العسكري (ع)، وبنقدِ آراءِ المذاهبِ المنحرفةِ وتوجيهها من أجلِ إعلاءِ كلمةِ اللهِ العليا، وبعيدًا عن الأجواءِ المشبوهة للساعينَ للمالِ والسلطةِ والجري وراء المناصِبِ، حيث أنَّ الأجواءَ في ذلكَ الوقتِ أصبحَتْ جُزُرًا تَعُجُّ بالطوائفِ والمذاهبِ، وَحَصَلَ الاختلاطُ الكبيرُ، فهذا الموقفُ الحرجُ كانَ ينذرُ بتفَتُّتِ وتصدُّعِ البناءِ المتكاملِ الذي شــــيَّدَهُ الإمامُ العسـكري (ع)، وحمَّلَ الأمانةَ ومسؤوليَّتَها للســيد أبي شعيب محمد بن نصـير النميري (ع)، وَعَيَّنَهُ الحجَّةَ من بعدِهِ من خلالِ شهادَتِهِ بِهِ بقولِهِ في حديثٍ له (ع): (محمد بن نصـير حجَّتي على الخلقِ، كلُّ ما قالَ عني فهو الصَّادق عليَّ).
    وفي القرنِ الثالث للهجرة تحزَّبَتِ الأحزابُ وتشعَّبَتِ المذاهبُ بازدحامِ الأهواءِ وكثرةِ الآراء، فانتشـرت الآراءُ واختلفتِ الأهواءُ، وبِيعَ الهدى بالهوى، وتفرَّقَتِ الأمةُ جماعاتٍ لا تتردَّدُ في تكفيرِ بعضها بعضًا، وكيلِ التُّهمِ الباطلةِ والافتراءاتِ الظالمةِ لسبيلِ الحقِّ السـيد أبي شعيب (ع)، وحلَّ بالأمةِ وباءٌ وبيلٌ بدأ يستشـري في جسدها الغضِّ بهدوءٍ دونَ الانشغالِ بعلاجِهِ إلاَّ من قِبَلِ سبيلِ الحقِّ السيدِ أبي شعيب (ع).
    وسأبدأ على سبيلِ المثالِ بالموقفِ الذي غدت فيه الأمةُ في زمن الإمام علي الهادي والإمام الحسن العسكري (ع)؛ هذا الموقفُ الذي نسمعُ فيه حول حكمِ المؤمنين.
    لا يأتي المرءُ بجديدٍ إذا ذهبَ إلى القولِ بأنَّ الحقبةَ الزَّمنيَّةَ التي شهدت الإمامين الحادي عشـر والثاني عشـر كانت تشكِّلُ بحدِّ ذاتِها انعطافًا رهيبًا وتحوُّلاً كبيرًا في حياةِ الفرقةِ العلويَّةِ، في وقتٍ شهدَ فيه الخطُّ البيانيُّ الدَّالُّ على مدى الابتعادِ المتسارعِ عن النهجِ الإلهيِّ للأئمةِ المعصومين (ع) وأحكامِهِ المقدَّسةِ انحدارًا عميقًا وتردِّيًا ملحوظًا.
    فالتَّزييفُ والخلطُ المدروسُ لمجملِ العقائدِ ومرتكزاتِ الأفكارِ كرَّسَ مسارَ الابتعادِ عندَ البعضِ، والمفصلُ المهمُّ الذي يكشفُ عمقَ المأساةِ في ذلكَ الزمنِ هو الخلافُ حولَ موضوعُ الحجَّةِ التي مثَّلَها السـيدُ أبو شعيب (ع) في ذلك الوقت.
    وتعبِّرُ الغيبة الصُّـــغرى عن غيبة آخرِ الأئمَّةِ الإمام المهدي المنتظـر (ع)، فكان التمهيد لهذه الغيبةِ عن طـريقِ تعيينِ الحجَّةِ المعاصِـرَةِ لكلا الإمامين العسكري والمنتظـر (ع) وهو السـيد أبو شعيب (ع)، وقد استطاعَ الإمام العسكري (ع) أن يقيمَ باختيارِهِ وتأمينِهِ لأبي شعيب (ع) خليفةَ اللهِ تعالى في الأرضِ، وأن يُثَبِّتَ فيها الأركانَ، وكان الإمــام العســـــكريُّ (ع) يُدرِكُ تـماماً أن نقطةَ الضَّعفِ لهذه الأمةِ يكمنُ في تفرُّقها وفي تبعـثـرِ جـهـودِهـا، وفي ذلك يكمنُ الخطـر الأكبرُ، ويبدو أنَّ ما حذَّرَ منه (ع) بدت أولُ معالمِهِ الخطـرةِ تَتَّضِحُ للحظاتِ الأولى لغيبتِهِ وانتقالهِ، عندما وجدَ الحاسدونَ الفرصةَ مواتيةً للولوجِ إلى داخل هذا البناءِ والعمل على هدمِهِ، فقد دأبَ الحاسدونَ للسـيد أبي شعيب (ع) بالادِّعاءِ بما ليسَ فيهم، فَجَعلوا أنفسَهُم نوَّابَ ووكلاءَ الإمام المهدي المنتظـر(ع) وهم:
    - النائب الأول: أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري.
    - النائب الثاني: أبو جعفر محمد بن عثمان السَّمَّان العمري (304هـ).
    - النائب الثالث: أبو القاسم الحسـين بن روح النوبـختي الذي وكَّلَهُ محمد بن عثمان.
    - النائب الرابع: أبو الحسن علي بن محمد السـمري الذي وكَّلَهُ النوبختي فانقطع الوكلاءُ عنده.
    ولكنْ ما هي الشُّـروطُ والظُّـروفُ الموضوعيَّةُ للنِّيابةِ؟ مَن الذي يُحدِّدُهم ويُعيِّنُهم نوَّابًا للمهدي (ع)؟ هل النَّائبُ هو الحجَّة؟ وما هو الفرق بين الحجَّةِ من جهةٍ والسفير والوكيل من جهةٍ أخرى؟
    إنَّ التَّعيينَ غيرَ الشَّـرعيِّ لا يمكنُ أن يكونَ إلاَّ ظالـمًا، وعُرِّفَ بالظلمِ لأنَّ الظلمَ جامعُ كلِّ قبحٍ وعدوانٍ، فالحاسدُ غيرُ جديرٍ بالحجَّةِ الحقِّ التي هي من اللهِ، فضلاً عن عدمِ اتِّصافِهِ بالصِّفاتِ اللازمةِ، ولهذا فهي محرَّمةٌ عليه.
    وعلى الرغمِ من أنَّ الحاسدونَ لأبي شعيب (ع) كانوا يعلمُون بعدمِ أهليَّتِهِم لها، ويعلمُون بوجودِ السيدِ أبي شعيب (ع) كحجَّةٍ حقيَّةٍ شـرعيَّةٍ، إلا أنَّهم تَجَاهَلُوا ذلكَ تجاهلاً كاملاً.
    هذا النَّهجُ الفاسدُ اتَّبَعَتْهُ العناصرُ الباطلةُ التي عادَت دائمًا الحجةَ التكوينيةَ المحقَّةَ، عندما حملوا الناسَ على القبولِ بالوضعِ الشاذِّ الذي فرضوهُ، فعطَّلوا التعاليمَ الإلهيةَ وأوامرَ اللهِ، واستبدلوها بآرائهم الخاصةِ واجتهاداتِهم الشخصـيةِ، وفرضوا بالقوةِ تلكَ الآراءَ القياسيَّةَ والاجتهاداتِ التشبيهيَّةَ حتى تكونَ مع الأيامِ بمثابةِ حقائقَ بديلةٍ للحقائقِ الإلهيةِ، وخاصَّةً المتعلِّقة بالحجَّة الحق.
    ولكنَّ هؤلاء الحاسدين الذينَ حادوا عن الحقِّ بالباطلِ ودمَّروا الأخلاقَ ومبادئَ التوحيدِ، أدركوا بعدَ فشلِ سلاحِهم في قهرِ الإرادةِ النصـيريةِ دورَ تحريفِ الفكرِ في استعبادِ الشعوبِ، وادَّعوا ما ليسَ فيهم وبدؤوا بصـياغةِ توقيعاتٍ مخالفةٍ لتوقيعاتِ الإمامِ العسكري (ع) فحواها الذَّمُّ بالسـيد أبي شعيب (ع) والمدحُ بهؤلاء المختومِ على أبصارِهم، ونَسبوها إلى الإمام الحجَّةِ (ع)، وهم الذين ادَّعوا أنَّهم الوحيدون مِمَّنْ يرونَ الإمام الحجة (ع)، كما ادَّعوا أنَّ مدة الغيبة الصغرى كانت أربع وأربعون سنة، مخالفين بذلكَ ما وردَ عن الإمام الصادق (ع) عندما سأله المفضل (ع): يا سـيدي فَمَن يخاطِبُهُ وَلِمَن يخاطبُ؟ فأجابَهُ الصادق (ع): (تخاطبُهُ الملائكةُ والمؤمنونَ ويَخرجُ أمرُهُ ونهيُهُ إلى ثقاتهِ، ويقعدُ حجَّتُهُ محمد بن نصـير النميري (ع) في يوم غيبَتِهِ بصابرَ)، فجميعُ كُتُبِهِ وَدَلائِلِهِ وتوقيعاتِهِ (ع) كما ذكرَ السـيد الخصـيبي (ع) في كتاب الهداية الكبرى كانت تخرجُ على يدِ السـيد أبي شعيب محمد بن نصـير النميري (ع)، حيث أكَّدَ السـيد أبو شعيب (ع) حتميَّةِ ظهورِ القائمِ المهدي (ع) بقوله: (عندَ قيامِ القائمِ ســـــيحضـرونَ بعدَ مَوتِهِم للحسابِ والعقابِ)، مؤكِّدًا على ما بَشَّـرَ بِهِ النَّبيُّ (ص) بقوله: (المهديُّ مِنَّا أَهْل البيتِ)، كما بَشَّـرَ به القرآنُ الكريم بقوله تعالى: (إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
    هنا لابدَّ من الإشارةِ إلى أنَّ كلاًّ من المجلسـي وغيره من الرُّواةِ قد وقعوا في الفخِّ الذي نصبوهُ من خلالِ التَّناقضِ بما رَوَوهُ في كتبِهم، وسنُثبِتُ ذلكَ.
    فالإمام المهدي (ع) ظهر سنة 260هـ، وغاب سنة 266هـ، وأبو جعفر محمد بن عثمان العمري مات سنة 305هـ، حيث تولى الوكالة خمسـين سنة أي منذ عام 255هـ، أما الحسـين بن روح النوبختي فقد تولى النيابة منذ وفاة العمري أي في عام 305هـ إلى عام 326هـ، فكيفَ كانوا يدَّعونَ أنَّ الإمامَ المهديَّ (ع) هو الذي يصدرُ التوقيعات لمدة ستين سنة منذ سنة 266هـ حتى سنة 326هـ!؟
    من هنا ينبغي أن نتتبَّعَ القرائنَ والشَّواهدَ التَّاريخيَّةَ للتمييزِ بين هذه العباراتِ، إذ يجب أن تكونَ محلَّ بحثٍ وتحليلٍ وتدقيقٍ في واقعِ الأمر.
    فبعدَ غيبةِ الإمام العسكري (ع) كثرَ المدَّعون، إذ قد قال البعض: إنَّه اسْـَسْفَرَ سـفراءَ أربعة منهم أحمد بن هلال العبرتائي، ومحمد بن علي بن بلال، ومحمد بن علي الشلمغاني الذين ادَّعوا السفارةَ كذبًا وزورًا، فَمِن أين كان ثبوتُ نيابةِ السُّفراءِ الأربعةِ؟ وما فائدةُ ثبوتِ شهادةِ الرُّواةِ لهم بدونِ شهادةِ الإمام العسكري (ع)؟
    لقد أكدَتِ الرِّواياتُ أنَّ عثمانَ بن سعيد المكنَّى بأبي عمرو السَّمان وابنَهُ محمد المكنَّى بأبي جعفر كانا وكيلا المالِ فقط لصاحب الأمر الإمام العسكري (ع)، فقد وردَ أنَّ جماعةً من أهل اليمنِ قَدِموا إلى الإمام الحسن العسكري يحملونَ أموالاً، فقال (ع) لأبي عمرو: (امضِ يا عثمان فإنَّكَ الوكيلُ على مالِ الله، واقبضْ من هؤلاءِ النَّفرِ اليمنيينَ ما حَمَلوهُ من المالِ). فتركيَةُ الإمامين الهادي والعسكري (ع) له في وكالة المالِ فقط، ولا يوجدُ أيُّ حديثٍ يُثبِتُ وكالتَهُ أو ثقَتَهُ في العلم...!؟
    وجاء في الهداية الكبرى (النســــخة المخطوطة) للخصـيبي (ع) أنه قال: عن جعفر بن محمد بن مالك القراري وعلي بن عاصم الكوفي وأحمد بن محمد الحجام الصـيرفي أنهم قالوا: لما نصبَ سـيدنا أبو محمد الحسن بن علي (ع) أبا عمرو عثمان بن سعيد العمري وكيلاً للمالِ وقعت الشُّبهةُ في قلوبِ النَّاسِ، وقلنا عسـى أن يكونَ قد بدا لله في محمد بن نصـير كما بدا له في أبي الخطاب محمد بن أبي زينب، وقد كثرَ الكلامُ بالكوفة وسوادِها، فاجتمعنا اثنان وأربعونَ رجلاً ممَّن لقي أبا الحسن وأبا محمد (ع) على أن نكتب كتابًا نسألُ فيه عمَّا وقعتِ الشبهةُ فيه عندنا، ثم اجتمعنا على الشُّــخوصِ إلى ســامراء، فسـرنا إليها وبها في وقتٍ ينف عن 300 رجلٍ من سائرِ البلدان مجاورين، فخرج إلينا الأمر من سـيدنا أبي محمد (ع): أنا أجلسُ لكم ليلة الجمعة فاحضـروا واسمعوا الجواب فيما خُضتُم فيه. فشكرنا الله وحمدناه، فلمَّا كان في ليلة الجمعة توجَّهنا نحو الدَّارِ وكلَّما وصلَ منَّا قومٌ دخلوا حتى اجتمعنا عن آخرنا وخرجَ علينا مولانا أبا محمد (ع) فقال لنا: منكم أحدٌ علمَ أو نُقِلَ إليه أنَّ سلمان كان وكيلاً على مالِ أمير المؤمنين؟ قلنا: لا يا سـيدنا. قال: أفليسَ قد علمتُم ونُقِلَ إليكم أنَّه كان حجتَه؟ فقلنا: بلى. فقال (ع): فما الذي أنكرتُم أن يكونَ محمد بن نصـير حجَّتي وعثمان بن سعد وكيلي؟ ثم قال (ع): (اشهدوا عليَّ أنَّه ما بدا لله في أبي الخطابِ حُجَّةِ جعفر الصادق (ع)، وأن محمد بن نصـير حجَّتي إلى أن يقبضَهُ الله).
    ولكنَّ المنحرفونَ اتَّبعوا وكيلَ المالِ للإمام الحسن العسكري (ع) وتركوا حجَّتهُ.. فهل يُتَّبَعُ في الدِّينِ وكيلُ المالِ أم الحجَّةُ الحقُّ؟!!!
    لا يمكنُ أن يكونُ النائبُ أو الوكيلُ الماليُّ كالحجَّةِ أبدًا، فدائمًا الصَّفوةُ المقدَّسةُ هم أصحابُ الأسـرارِ للأئمةِ الذينَ اختارهم اللهُ لمواصلةِ مهمَّةِ تبليغِ الرسالةِ بعد سبلِ الهدى، ومثالٌ على ذلكَ فالمعلَّى بن خُنيـــس (ع) لا يقالُ أنَّهُ وكيلُ المالِ، بل هو من أصحابِ الأسـرارِ مع بشار الشعيري (ع) وغيرهم عند الإمام الصادق (ع).
    والسؤالُ المطروحُ: كيفَ أصبحت النيابةُ عند البعضِ بالاجتهادِ خلال سبعين عامًا؟
    لقد كانَ من أهمِّ مظاهرِ تلكَ المرحلةِ اتِّساعُ الشقَّةِ بين مدرستي الاجتهادِ والنصِّ إلى حدِّ التَّخاصمِ والتَّكفيرِ، فالسيدُ أبو شعيب (ع) يؤكِّدُ أنَّهُ من الخطأ القولُ إنَّ الأئمةَ المعصومينَ هم أعلامُ الاجتهادِ. فالفِرَقُ الأخرى وإنْ أبقتْ بابَ الاجتهادِ مفتوحًا، لكنَّ النصـيريةَ لم تفعل ذلكَ لأنها لا تأخذُ بالقياسِ، لقول السيد أبي شعيب (ع): (الحذر كلُّ الحذرِ من علمِ القياسِ لأنَّهُ يوجبُ الانعكاسَ، وبه اختلَفَتِ الأهواءُ وتشعَّبَتِ الآراءُ). فهل نقبلُ الاجتهادَ والشُّورى كقاعدةٍ للتشـريعِ ونتركُ الحجةَ الحقَّ؟
    لقد كانت مدرسةُ الاجتهادِ تقومُ على التَّمَذهُبِ والعداءِ وتزييفِ الحقائقِ بالاتهامِ لمدرسةِ النُّصيريَّةِ بالمروقِ من الدينِ رغمَ أنَّ مدرسةَ النصـيريةِ كانت المرجعَ والملجأَ لصـيانةِ الفكرِ المعصومِ من لوثاتِ وبدعِ المنخنقةِ في تلكَ المرحلةِ، إلا أنَّ أهلَ القياسِ حارَبوها، وَتَبِعَهُمْ في سوءِ الفهم لهذه المدرسةِ كتَّابًا ومؤلفينَ بَذَروا بذورَ التشبيهِ وسقَوها من خلفيَّاتهم بأفكارٍ دخيلةٍ سطحيةٍ.
    هؤلاء الذين قال تعالى فيهم: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا) سـيطـرتْ عليهم رُوحُ الأنانيَّةِ دَخَلوا في زمرةِ الرواةِ والمحدِّثينَ، وبلغَ التَّعصُّبُ الذَّميمُ والبغضُ الرَّجيمُ بهم في نهايةِ الحدِّ إلى اتِّهامِ السـيدِ أبي شعيب (ع)، فَحَبَكوا الأحاديثَ والرِّواياتِ الملفَّقَةَ والمدسوسةَ ضدَّهُ، وكان من أعوانِهم آنذاكَ أبو محمد الحسن الشـريعي، وأبو طاهر محمد بن علي بن بلال، وأبو عبد الله الباقطاني، وعلي بن الحسـين التغلبي الملقب بابن حسكة، ومحمد بن علي الشلمغاني، وســـــعد بن عبد الله الأشعري القمي، وإسحاق بن أبان النَّخعي، وأبو زكريا يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان، وهذا ما اقترفَتْ أيديهم وكتاباتهم بحقِّ السـيد أبي شعيب (ع) الذي دَحَضَ أقوالَ هؤلاءِ المعترضـينَ، وَبَدَّدَ أفكارَ المنكرين عن طـريقِ الأدلَّةِ الدَّامغةِ والحجَجِ التاريخيَّةِ، ولمَن يسألُ عن الإسنادِ للأحاديثِ الواردةِ عن الإمام الصادقِ (ع) نقولُ: إنَّ أحاديثَ أبي شعيب محمد بن نصـير (ع) هي عن عمر بن الفرات عن محمد بن المفضل عن المفضل بن عمر عن الإمام الصادق (ع).
    هنا لابدَّ من التذكيرِ بحقيقةِ أنَّ كلَّ مقالةِ أهلِ الجرحِ والتَّضعيفِ والتَّكفيرِ للنصـيريَّةِ راجعةٌ إلى سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمي (299هـ)، الذي عاشَ في عصـر الإمام العسـكري (ع) وكان من أشدِّ الأعداءِ للسـيد أبي شعيب (ع)، فهو لا يَعتَمِدُ أيَّةَ حجَّةٍ في كتابَيهِ (الردُّ على الغلاة) و(المقالات والفِرَق)، فالرواياتُ الصَّادرةُ عن أهلِ الجرحِ والتَّضعيفِ تجعلنا نكتشفُ أبا هريرةَ من جديدٍ بأشخاصٍ أخرى لم يُسنِدُوا أقوالَهُم، فأهلُ الجرحِ ليس لهم إلمامٌ بنشأةِ النصـيريةِ، فأينَ هو الإلمامُ إذا كانَ حديثُهُم مقصورًا على المطاعنِ الرخيصةِ والمعلوماتِ الشائنةِ السفيهة؟ وكيفَ تصحُّ نسبةُ الشُّذوذِ لهذه الفرقةِ النصـيريةِ التي حافظت على ولائِها الكبيرِ للإمامِ العسكري (ع) حتى الآن، وحافظتْ على التَّمسُّكِ بآدابِهِ؟
    هذه حكايةُ الحاسدين عن أبي شعيب (ع)، ليرى القارئُ أنَّهم أرادوا شـــــيئًا غيرَ التاريخِ فأبى التاريخُ إلا أن يَفْضَحَ مزاعمَهُم، إذ أنَّ محاولاتِهِم الإســــاءةَ إلى الســـــيد أبي شــعيب (ع) تَرَتَّبَ عليها الإســـاءة إلى الإمـــامِ العســــكري (ع) لأنَّهُ أقامَ الســـــيد أبا شعيب (ع) حجَّتَهُ على العبادِ من بعدِهِ.
    ولمَّا كان قد أصبحَ جليًّا أنَّ الأقوالَ التي استندوا إليها غيرُ مُستَلهَمَةٍ من نفوسٍ صافيةٍ، وغيرُ صادرةٍ عن ثقةٍ، فقد عُرِفَ أنَّ عواملَ حاقدةً ومفرِّقةً وهدَّامةً قد أَملَتْها، وباعتبارِ هذه الرواياتِ التي أعلَنَها عن أبي شعيب (ع) متضاربةٌ فإنَّهُ من حقِّنا أن نرفضَ الأخذَ برأيهم لوقوعِ الشُّبهاتِ عليهِ، وتضعيفِ ما رُويَ عنه، وأن ندعو العقلاءَ من المؤرخين المنصفين بألا يركنوا إلى معلوماتٍ تمليها ضمائرُ حاقدةٌ ومفرقةٌ وهدَّامةٌ تعملُ بوحي من أعداءِ الإســــــلامِ، فما نُسبَ إلى السـيد أبي شعيب (ع) من القبائحِ اعتمادًا على الحاسدين مرفوضٌ جملةً وتفصـيلاً، ولا يُقصَدُ به إلا التشهيرُ الرَّخيصُ الذي لا يليقُ إلا بالمحدِّثِين والرُّواةِ الحاسدين أنفسِهِم، الذين أرادوا زعزعةَ الثقةِ بالسـيد أبي شعيب (ع) لتقليلِ أتباعِهِ وصـرفِهم عنه بحجَّةِ اتهامِهِ بالفساد وبإباحةِ المحارمِ والعياذُ بالله. وممَّا يضاعفُ الإقبالَ على رفضِها والاشتباهَ بمروِّجِها ادِّعاءُ حصولِها في عهدِ الإمامين الهادي والعسكري (ع).
    وقد ذَكَرَ سعد القمِّي في معجم رجال الحديث أنَّه: (قيل لمحمد بن نصـير في مرضِهِ: لمَنِ الأمر من بعدكَ؟ فقال بلسانٍ ضعيف: أحمد. فلم ندرِ مَن أحمد)، فتصوَّروا هذا الحديثَ عن سعد الذي قال أنه لا يدري مَن هو أحمد، والجميعُ يعلمُ أنَّ السيد أبا شعيب (ع) أسندَ الأمرَ إلى أحدِ أركانِهِ السـيد أحمد بن محمد بن الفرات الكوفي الكاتب (ع).
    وما أشبَهَ ما تَبِعَ الحاسدونَ وأتباعَهُم باجتماعِ سقيفةِ بني ساعدة، عندما اجتمعوا بدوافعَ عنصـريَّةٍ واتجاهاتٍ معايبةٍ، فشَحَنوا اجتماعَهم بالأكاذيبِ والأباطـيلِ.
    يبدو أنَّ الردَّ التوحيديَّ الخالصَ للسيدِ أبي شعيب (ع) لم يعجبْ هؤلاء، أو لم يكن هو الرَّدُّ المرغوبُ عندَهم، وكانَ ما كانَ من انحرافاتٍ ومن حرصٍ على تعيينِ الأتباعِ، فقامتِ الفتنةُ التي انتهتْ، وهي الفتنةُ الشهيرةُ في التاريخِ، وكان المسلمون أتباعُ أهل البيت (ع) في غنى عن هذه الفتنةِ وما أعقبَها من فتنٍ، وهذه حقيقةٌ واضحةٌ ينبغي أن تُسـجَّلَ عند كتابةِ التاريخِ الحقيقيِّ بأمانةٍ، إذ اختير السـيد أبو شعيب (ع)، وعندهُ وُجِدَتِ الأمانةُ، لأنَّ الأوضاعَ ارتبكَتْ والحساسـيات بدأت والانشقاقات ظهرت والعصبيات تَفَشَّت، ولكن أبا شعيب (ع) بما عُرِفَ عنه بالإجماعِ من استقامةٍ وشدَّةٍ وصلابةٍ في الحقِّ لم يتردَّدْ، ففضحَ مزاعمَ خصومِ الحقِّ، وأثبتَ ارتباطَهُ بالإسلامِ شكلاً ومضمونًا، ارتباطًا لا يتزعزعُ رغم هبوبِ الأعاصـير حولَهُ، وكانَ ذلكَ سببًا في الخلافِ بينه وبين هؤلاء المنحرفين.
    ومن هؤلاء المنحرفين المعروفِ أنَّ محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي الـعـزاقر أحدَثَ مذهبًا غاليًا، وقال بالحلول، كما أنَّ علي بن حسكة كان يقول بإسقاطِ الشـرائع.
    فَمِن أتباعِ سعد القمِّيَّ أبو القاسم الخوئي ومحمد الطباطبائي القهائي ومحي الدين المامقاني، ومن أصحاب الكتب المغرضة في النصف الأول من القرن الثالث الهجري كمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني الذي زعمَ أنَّ النُّصيريةَ من الفِرَقِ الغاليةِ فلم يفرق بين العلويَّةِ النصـيرية وبينَ المعطِّلَةِ في كتابه (الملل والنِّحل)، وعلي بن إسماعيل الأشعري في كتابه (مقالات الإسلاميين)، ومَن تلاهم في النصف الأول من القرن الرابع الهجري كأحمد بن الحســــين بن الغضائري في كتابه (مجمع الرجال)، وأحمد بن علي النجاشـي في كتابه (رجال النجاشـي)، وأبو جعفر الملقب بشـيخ الطائفة عند الشـيعةِ في كتابه (الغيبة)، ومحمد بن عمر الكشـي في كتابِهِ (اختيار معرفة الرجال)، ومن المعروفِ أنَّ الكشـي كان صديقًا لأبي جعفر محمد بن يعقوب ابن إسحاق الكُلَينـي صاحب كتاب (الكافي)، والكُلينـي من الأشخاص الحاسدينَ للسـيد الثقة الحسـين بن حمدان الخصـيبـي (ع)، وتبعَهم في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري ابن حزم الأندلسـي في كتابه (الفصل)، وأبو المظفَّر طاهر بن محمد الاسفرائيني في كتابه (التبصـير في الدين)، وفي النصف الثاني من القرن الخامس الهجري عبد الكريم بن محمد السَّمعاني في كتابه (الأنساب)، ومحمد بن شهرآشوب المازندراني في كتابه (مناقب آل أبي طالب)، وفي القرن السادس أبو منصور أحمد بن علي الطبرسي في كتابه (الاحتجاج)، والحسن بن يوسف الحلي في كتابه (رجال العلامة الحلي) الذي اتَّهم أبا شعيب (ع) بالمحارمِ والحلولِ والإلحادِ، وفي القرن العاشر وما بعدَه عبد القاهر بن طاهر الذي زعمَ أنَّ النُّصيريَّةَ من الرافضةِ في كتابه (الفَرق بين الفِرَق)، والحسن بن موسى النُّوبختي في كتابه (فرق الشـيعة)، ومحمد باقر المجلسـي في كتابِهِ (بحار الأنوار)، وأحمد بن علي القلقشندي الذي اتهمَ النصـيريةَ في كتابه (صبح الأعشـى).
    وسأذكرُ مثالاً من أقوالِ هؤلاء يُثبتُ ما وَقَعُوا فيه من تَنَاقضِ، فالمدقِّقُ في كتبِ الرجالِ المتناقضةِ لأبي جعفر والكشـي وابن الغضائري وابن داؤد والحلي يجدُ أنهم ذكروا السـيد أبا شعيب محمد بن نصير (ع) مرتين: مرةً بقولهم: (محمد بن نصـير ثقةٌ جليلُ القدرِ كثيرُ العلمِ)، ومرةً بقولهم في نفس الكتابِ: (محمد بن نصـير غالٍ إليه يُنسَبُ النصـيرية).
     


    أخيرًا
    لقد كَثُرَ الذينَ تقمَّصوا شخصـيةَ الحاسدين من الباحثينَ المعاصـرينَ الذينَ عَرَضُوا للنصـيريةِ فلم نَجِدْ في أقوالِهم شـيئًا إلا دَعَاوى باطلةٍ ضدَّ العلويَّةِ النُّصـيريَّةِ مجرَّدةً عن الدَّليلِ القدسـي، بعباراتٍ مُنَمَّقَةٍ وافتراءاتٍ مُزخرفَةٍ.
    ومنهم المستشـرق لويس ماسـينيون الذي أخذ بنظـريات الشهرستاني وغيره، ومَن تجاوَبَ معهم مثل دوسو وكاتافقو وعلي أكبر ضـيائي ومصطفى الشكعة والأب هنري لامنس اليسوعي وغيرهم، ومنهم الحاقدونَ الشَّاذُّونَ كسليمان الأذني في كتابه (الباكورة السليمانية 1280هـ)، ومحمد أمين غالب الطويل في كتابه (تاريخ العلويين 1351هـ)، وعبد الرحمن بدوي في كتابه (مذاهب الإسلاميين 1393هـ)، وأبي موسـى الحريري في كتابه (العلويون النصـيريون 1400هـ)، وتقي شـرف الدين الذي اجتهد في تأريخ النصـيريةِ دون النظـر إلى الأصولِ في كتابه (النصـيرية دراسة تحليلية 1404هـ)، هؤلاء هم الكاذبونَ في قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ).
    هؤلاء كذَّبوا بقولهم: (إنَّ الجماعةَ العلويَّةَ اليوم والتي تسمَّى النُّصـيريَّة هي من صُلبِ الشـيعة)، وافترى البعضُ منهم بقوله: (العلويون شـيعةٌ موحِّدون، والعلويون اسمُهم الحقيقيُّ، واسمُ النصـيريَّةِ من إفتاتِ وظلمِ أعدائهم لهم).
    وقد أصبحَ اليوم لهؤلاء الكاذبين المفترين ممثِّلين في عصـرِنا، عصـرِ الانفتاحِ وتداخلِ المعلوماتِ، عملوا على نقلِ التراثِ الإسلاميِّ العلويِّ النصـيريِّ بصورةٍ مشوَّهةٍ عبرَ شبكاتِ الإنترنيت ليوفِّروا لأعداءِ الفرقةِ العلويةِ الفرصةَ والذريعةَ لاستغلالِهِ، فأوجدوا المواقعَ التَّخريبيَّةَ التي كان لها العملُ المُشَوِّه ومنها (موقع العلويين الأحرار) الذين زَعَموا أنهم أصحابُ التَّمثيلِ الحقيقيِّ للعلويينَ عندما سَمَّوا أنفسَهم أنهم علويُّون أحرار أقحاح أبًّا عن جدٍّ، ولكنَّهم كما قال تعالى: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ).
    هذا الموقعُ التَّخريبيُّ لا يَروقُ له اتِّحادُ العلويينَ واتِّفاقُهُم حولَ رأي واحدٍ، فَيَعمَدُونَ إلى ما يَهدمُ ذلك فَيُودِعُونَهُ مَقَالاتِهم وَيَنشـرونَهُ على الملأ منذ سنواتٍ إتْبَاعًا لما غَرَسَتْهُ العصبيَّةُ العمياءُ في نفوسِهِم، فلم يَنظـروا إلى الأمورِ بعينِ البصـيرةِ والإنصافِ، بل عَمَدُوا إلى نَقدِ وَتَسفيهِ ما جاءَ في العقيدةِ العلويَّةِ النُّصـيريَّةِ من طـرائقَ وحقائقَ، فَلَجؤوا إلى التَّشكيكِ بها، وَتَعلَّقُوا بالخطوطِ العنكبوتيَّةِ التي نَسَجَها لهم أسـيادُهم فَتَشَبَّثُوا بأوهنِ البيوتِ وانطبقَ عليهم قوله تعالى: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً).
    إنَّ الفوضـى الفكريَّةَ التي تعمَّدَها المفسدون من أصحابِ هذا الموقعِ لم تقتصـر على المسائلِ الفرعيَّةِ، بل تخطَّتْ ذلكَ إلى صميمِ الأصولِ العقائديَّةِ، وهذا كان من جُلِّ ما أرادَ هذا الموقعُ إيصالَهُ إلى عقولِ القُرَّاءِ من خلالِ صاحبِهِ (سام محمد الحامد علي)، الكاتبُ الكاذبُ الذي يُعتبَرُ امتدادًا لِغَيرِهِ من كُتَّابِ السُّوءِ عن طـريقِ أحاديثِهِ الموضوعةِ وآثارِهِ المصنوعَةِ في صفحاتِ موقعِهِ الفاسدِ المدعوِّ (العلويين الأحرار).
    ولقد تطـرقَ هذا المُفسِدُ الأرعنُ مع التَّطويلِ بلا طائلٍ إلى العديدِ من الأصولِ المتعلِّقةِ بالفرقةِ العلويةِ مدَّعيًا أنه يدافعُ عنها ولكنَّهُ في حقيقةِ الأمرِ كان يُغَيِّرُ ويبدِّلُ ما يَخُصُّ الفرقةَ العلويَّةَ، ويدعو بشكلٍ مباشـر إلى اعتناقِ مذاهبَ أخرى كمذهبٍ بديلٍ، فكانَ الموقعُ الهدَّامُ المدعوُّ (العلويين الأحرار) قد أنشـئ ليكونَ منبرًا ضدَّ أبناءِ الفرقةِ العلويةِ لإبعادِهِم عن النَّهجِ النُّصيريِّ القويمِ من خلالِ غَرسِ أحقادِ صاحبِهِ المتعصِّبِ والطَّاعِنِ المتجاهلِ. فَمِنْ أهمِّ أهدافِ هذا الموقعِ هي زيادةُ العصبيَّةِ، وبناءُ الشـرخِ بين شبابِ الفرقةِ العلويَّةِ النصـيريةِ، وذلكَ عن طـريقِ حجَّةِ التَّجديدِ لينخرِطَ بشكلٍ تامٍّ بفروعِ المُنْخَنِقَة واجتهاداتِها.
    وسأذكرُ مُلَخَّصَ أقوالِ وتَخَرُّصَاتِ هذا الموقعِ المزعومِ:
    1. إننا في موقع العلويين الأحرار نقول: إنَّ (النصـيرية) اسمٌ أُطلِقَ من قبلِ الحاقدينَ على تلكَ الطائفةِ العلويَّةِ... وهناكَ تفريقٌ بين التَّسميتين (العلوية والنصـيرية)، فغالبيَّةُ علويِّي اليوم هم غيـرُ نصـيريِّين... إنَّ النُّصـيريَّةَ لا علاقةَ لها بالعلويَّــةِ، لأنَّ النُّصـيـــــــريَّةَ رؤيةٌ... فعلويَّةُ اليوم فرقةٌ من فِرَقِ الشـيعةِ الإثني عشـرية، وعقيدَتُهم لا تختلفُ عن عقيدةِ الشـيعةِ... وبالتالي فإنَّ العلويين والشـيعة كلمتان مُترادِفَتانِ ككلمتي الإماميَّة والجعفريَّة، فكلُّ شـيعيٍّ هو علويٌّ، وكلُّ علويٍّ هو شـيعيُّ المذهبِ...؟! على حدِّ زعمِهِ ويتابعُ قائلاً:
    ورأيُنا نحن في موقعِ العلويين الأحرار هو بطلانُ وتكفيرُ أصحابِ تلكَ المقالاتِ النُّصـيريَّةِ... لأنَّ العلويَّةَ طـريقةٌ فقط... أما بالنسبةِ للدستورِ النصـيريِّ المزعومِ فَهُناكَ شَكٌّ في مصداقيَّتِهِ وهويَّةِ صاحبِهِ، وتأكيدُنا القطعيُّ ببراءَتِنا الضِّمنيَّةِ والعلنيَّةِ منه لفظًا وَمَعنى. وإنَّ للنُّصـيريين كتابًا سَمَاويًّا غير القرآن.
    2. إنَّنا موقعُ العلويينَ الأحرارِ لا نعترفُ بِحُجَّةِ أبي شعيب، بل نُسَفِّهُ رأيَهُ وَنَنسبُ إليه الشُّذوذَ عن أهلِ البيتِ... وحتى الخصـيبي كان شـيعيًّا، وهو من أبعدِ النَّاسِ عن المعتقداتِ العلويَّةِ الفاسدةِ والآراءِ الغلويَّةِ النصـيريَّةِ الحائدةِ.
    3. يَعتَبِرُ موقعُ العلويين الأحرار أنَّ الأصولَ التي يُقِرُّ بها النصـيريُّون لا تصحُّ إسلاميًّا بظاهر اللفظ القرآني أو النبوي الشـريف، ويعتبرُ أنَّ فكرةَ الغلوِّ جزءٌ من العقيدة النصـيرية، حيث أنَّ الغلوَّ طـرأ على النصـيريِّين بسبب العزلةِ والحرمانِ والجهلِ والمشائخيَّةِ الجاهلةِ....

    هذه بعضُ مزاعمِ (سام محمد الحامد علي) صاحب (موقع العلويين الأحرار) الذي انهالَتْ أقلامُهُ على الفرقةِ العلويَّةِ النصـيريَّةِ ظُلْمًا وَزُورًا، وكم من كتاباتٍ من هذا الطـرازِ في مواقعَ أخرى.....!
    لذلك لابدَّ في الختامِ من المرورِ على بعضِ النِّقاطِ التي ذكرَها المنحَرِفُ (سام محمد الحامد علي) والتَّعقيبِ عليها وهي:
    1. بالنسبةِ لمصطلحي (الشـيعي والعلوي) اللذين قالَ عنهما (سام علي) بأنهما تسميتانِ تشـيرانِ إلى مدلولٍ واحدٍ وإلى فئةٍ واحدةٍ هي الفئةُ الجعفريَّةُ الإماميَّةُ الإثنا عشـرية أقول: إنَّني قد تطـرقْتُ إلى شـرحِ هذينِ المصطلحين والتَّفريقِ بينهما في أجزاءِ هذهِ السلسلةِ.
    أمَّا بالنسبة لما ذكرَهُ المأجور (سام علي) متَّبِعًا شبيهَهُ المأبون (فضل خاسكة) عن الثِّقاةِ أنهم كانوا من الشـيعةِ الصَّادقينَ في تَشـَيُّعِهِم، فقد قُمنا بالرَّدِّ على هذا الادِّعاءِ الكاذبِ الذي لا أساسَ له من الصِّحةِ في أجزاءِ هذه السلسلة.
    2. بالنسبة لتكذيبِ المقالاتِ الحقيقيَّةِ التي ذكرها (سام علي) لا نجدُ غرابةً في أنه لم يستطعْ اختراقَ الجدارِ المرسومِ على الكنزِ المعلومِ، لأنه ممَّن تَمَسَّكوا فقط بالقشورِ، ولم يَستطـيعوا أبدًا الولوجَ إلى الحقائقِ، وحولَ هذا الموضوعِ كان الجزءُ الثاني من السلسلةِ بعنوانِ (الأسباب بين الاطـراد والانعكاس).
     


    النهاية
    إذا كان هؤلاء المنحرفونَ عارفينَ قَدْرَ أنفسِهِم وَوَاثقينَ بقوَّةِ حُجَّتِهِم وَمُخلِصـينَ في نَوايَاهم فإنَّنا ندعوهم إلى ميدانِ المناظـرةِ وَقَرْعِ الحُجَّةِ بالحُجَّةِ، فَيُعرَفَ حينئذٍ الهجانُ من الهجينِ والغَثُّ من السَّمينِ والمُحِقُّ من المُبطِلِ، ولو فَعَلوا لَوَجَدونا سـراعًا إلى إجابةِ إبطالِ دَعوَتِهم القائلةِ: (إن النصـيرية لا علاقة لها بالعلوية)؟
    فَلَئِنْ كانَ هؤلاء المشكِّكون فَصَلُوا النُّصيريَّةَ عن العلويَّةَ فذلكَ لأنَّهم لم يفهَموا المغزى العميقَ من التوحيدِ عندَ الفرقةِ العلويَّةِ النُّصـيريَّةِ، فتلكَ مشكلتُهُم لأنهم ظَلُّوا طـيلةَ فترةٍ سابقةٍ جَاهِلين بعقائِدِها، يَخلِطُون الصَّالحَ بالطَّالحِ.
    ولو بَقوا جاهلين مقلِّدِين لكان خيرًا لهم وأفضلَ من أن ينقلبوا باحثين ضالِّين، لأنهم بعيدون عن المسؤوليَّةِ والموضوعيَّةِ، فهم لم يفهموا قوله تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)، إذ كثيرًا ما يسـيئُون وبقصدٍ فهمَ الأصولِ العلويَّةِ النُّصـيريَّةِ، لذلكَ فإنَّ جُلَّ مقالاتِهِم تدلُّ على أنَّ العقيدةَ العلويَّةَ بمنطلقِها النُّصـيريِّ الأصـيلِ لم تَجِدْ لها في أذهانِهم مستقرًّا.
    لقد كانَ الأولى بهؤلاءِ الذين حَمَلُوا وِزْرَ اتِّهامِ خاصَّةِ الأئمَّةِ من سُبُلِ الهدى أن يَرجعُوا إلى أقوالِ السـيد أبي شعيب (ع) التي لولاها لَضاعَتْ معالمُ وعلومُ التوحيدِ على صعيدِ الهدى الإلهيِّ.
    إنَّ الوضعَ الحاليَّ غنيٌّ عن البيانِ، فما أحوَجَنا إلى الاتفاقِ وزوالِ الشِّقاقِ وطـرحِ بواعثِ البغضاءِ بيننا، إذ يجبُ على شبابنا الحذرَ من الدُّخلاءِ الذينَ انتسبوا إلينا وليسوا منَّا، والذين ما دَخلوا في ديننا لنُصـرتِهِ وعلوِّ شأنِهِ، بل بالعكسِ لِذُلِّ شبابِنا وهلاكهم، فلم يعتنقوا الدين العلويَّ إلا للتَّضليلِ والأوهامِ لأنَّ أعمالهم إبدالُ اليقينِ بالشَّكِّ والصِّدقِ بالإفكِ، فأحدثوا بدعةَ تحريفِ الأسانيدِ ووضعِ الأحاديثِ، وما تركوا خرافةً إلا جاؤوا بها، ولا حيلةً إلا حاولوا فِعلَها، ولكنَّهم فشِلوا في تمزيقِ الوحدةِ وتفريقِ الكلمةِ لأنَّ منطقَ المقارعةِ أحيانًا من طـرقِ تصحيحِ المسارِ، فوضعُ السـيفِ أمامَ السـيفِ قد لا يكونُ دعوةً إلى القتالِ، بل دعوةٌ إلى تركِهِ.
    والحمدُ لله ربِّ العالمين

    هشام أحمد صقر
    سورية- اللاذقية 1431هـ - 2010م

      الوقت/التاريخ الآن هو 22/9/2017, 3:30 pm